وكانت تقول أيضا:
إنني كلما تذكرت أنه في قبضة أعدائه تزداد آلامي.
آه، إني أتذكر جيدا كلماتها التي فاهت بها لما عولت على القدوم إلى السودان، لقد كانت تقول لي: «يا بني إن روحك المضطربة تدفعك إلى المغامرة بحياتك في بلاد بعيدة لا تعلم عنها شيئا، وربما يأتي الوقت الذي تنتهي فيه من كل ذلك وتقبل على حياة هادئة.» فما أصدق كلماتك يا والدتي! وما أعظم الشقاء الذي سببته لك!
وبعد أن فكرت في هذا كله صرت أنوح ثم أنوح، لا بالنسبة لما أنا عليه من حال سيئ بل من أجل أمي العزيزة التي فاضت روحها بسببي.
وفي صباح اليوم التالي أرسل لي الخليفة وطلب مني مرة أخرى أن أترجم له الخطاب، وأمرني أن أرد في الحال على إخوتي لأخبرهم بأني في رغد من العيش، فنفذت ما طلبه وكتبت خطابا كله ثناء على الخليفة وإعجاب بخصاله وكم أنا سعيد بجواره، ولكني كنت أضع كل كلمات المدح والإطراء وحسن الحال داخل أقواس وبجوارها علامات استفهام. وكتبت في ذيل الخطاب ما يشير إلى أن تلك الكلمات الموضوعة بين الأقواس هي عكس الحقيقة.
وفي الوقت نفسه طلبت إلى إخوتي أن يكتبوا إلى الخليفة خطاب شكر على حسن معاملته لي! وأن يرسلوا له كيس سفر كبير، ويرسلوا لي مبلغ 200 جنيه و12 ساعة اعتيادية تستحق أن تكون هدايا لأقدمها إلى أمراء الخليفة الذين يسرون بها كثيرا، وطلبت نسخة القرآن مترجمة إلى اللغة الألمانية، ولكي لا يجزعوا قلت لهم إني أرجو أن تسمح الظروف بملاقاتنا قريبا.
طلبت إليهم أن يرسلوا تلك الطلبات إلى قنصل النمسا في القاهرة الذي يرسلها إلى حاكم سواكن، وهذا يبعث بها إلى عثمان دجنة ومنه تصل إلي. وقد سلمت هذا الخطاب إلى الخليفة فبعث به رسولا كان ذاهبا إلى عثمان دجنة ليرسله إلى سواكن.
وقد حزنت قبل وصول الخطاب المحزن بنحو شهر تقريبا لما أصاب صديقي «لبتون»، الذي كان يشتغل في جمرك الخرطوم وأرغمته حالته الصحية على أن يترك عمله وعاد بعد ذلك إلى أم درمان يشكو الفاقة، ولكن لحسن حظه كان قد عاد صديقه «صالح واد الحاج علي» من القاهرة ومعه بعض النقود أرسلها إليه بعض أفراد أسرته من القاهرة مع صالح المذكور.
وكان واد الحاج علي هذا طماعا في ابتزاز الأموال، حرامها وحلالها؛ فقد أعطى «لبتون» قبل ذلك مبلغ 100 ريال وأخذ منه تحويلا على أخيه بالقاهرة بمبلغ 200 ريال قبضها بمجرد وصوله، ولما عاد إلى أم درمان أعطى لبتون 200 دولار واغتصب لنفسه باقي ما أرسله أخو «لبتون» وهو ما يقرب من 800 دولار. وقد ساعد هذا المبلغ الضئيل «لبتون» نوعا على فك ضيقه، وهذا مع ما كان يؤمله من أن هناك مخاطبات دائرة بشأن إطلاق حريته؛ كانا سببا في تخفيف شيء من آلامه. وكان هذا المسكين قد حضر معي ذات يوم من المسجد عقيب الصلاة إلى المنزل، وأخذ يستشيرني في انتقاء شخص يضع عنده مبلغ ال 200 دولار؛ بحيث يأخذ منه ما يريده كلما شاء؛ إذ إنه يخشى إذا بقيت معه أن يندفع في الظهور بالبذخ والإسراف؛ ومن ثم يفتضح أمره وتعرف صلاته بالقاهرة فيلاقي حتفه.
كنا نتحادث عن حالتنا وما نحن عليه، وقد كان في تلك اللحظة منشرح الصدر أكثر من عادته، رغم ما كان ينتابه من الآلام في ظهره والضعف العام في كل جسمه.
Page inconnue