Les vagabonds et la chevalerie en Islam
الصعلكة والفتوة في الإسلام
Genres
وفي عصرنا هذا عرف في كل حي من أحياء القاهرة والإسكندرية بعض الناس الفتوة، فيقال فتوة المنشية، وفتوة الجمالية، وفتوة الحسينية وهي تسمية بالمصدر، كما يقال رجل عدل.
والفتوة في العرف شاب شهم نبيل شجاع ذو مروءة يفضل إخوانه في كل هذه الصفات.
ومن قبيل ذلك ما حكاه الجبرتي عن حجاج الخضري، فقد كان له بوابة قرب السيدة عائشة تسمى بوابة حجاج، وكان زعيم الخضرية، وكان فيه هذه الصفات التي ذكرناها في الفتوة. وكان أهل حرفته يسمعون كلامه أكثر مما يسمعون كلام الوالي. ولذلك شنقه الوالي تأديبا لأتباعه من غير أن يكون جنى جناية. وقد شاهدت ابنته في حارتنا العبادية بالمنشية، وفيها بعض صفاته، وفيها أيضا قوة ممتازة في لسانها تغلب به في السباب أهل حارتها.
ومن ذلك ما حكاه الجبرتي أيضا في ترجمة الشيخ حسن الكفراوي، فقد كان صديقا للشيخ صامودا المنجم؛ فرأى أحد المماليك على عضو زوجته كتابة، فسألها عنها فقالت له: قد كتبها الشيخ صامودا ليحببك في. فقال لها: إنه إذا رضي أن يطلع على عضوك. ثم أمسكه وقتله وشهر به وبالعلماء، وشهر بصديقه الشيخ الكفراوي، فاضطهد الشيخ اضطهادا كبيرا ألجأه إلى أن يحتمي بفتوة حي الحسينية، إذ كان الشيخ يسكن فيه وهو الحاج عمر الجزار، ليمنع عنه أذى الناس، وتزوج ببنته.
ويمتاز الفتوة بهذه الصفات التي ذكرناها وبأنه يتبجح بشجاعته، ويؤذي من لم يحتم به. وزفة الحي لا تخرج إلا بحمايته وضمانته، فيتصدر زفة العريس أو المطاهر هو وأتباعه، ويمنع عنها أي شخص من حي آخر يعمل عملا يفسدها. كما أن من أعماله أن يتعرض لزفات الأحياء الأخرى. ويوقفها ويطلب من الزمارين والطبالين أن يطبلوا له ولزملائه، ويزمروا على حد تعبيراتهم «عشرة بلدي» وهو يرقص على الزمارة، فإذا أجابوه إلى طلبه فبها، وإلا ضرب هو وزملاؤه الزفة وأفسد كيانها، وقد يقع في المعركة بعض الجرحى. ومن أعماله أيضا أن يحمي صبيا في مدرسة من أن يعبث به أي رجل آخر غيره، ويخالل امرأة يحميها، وقد يتزوجها، ويكون معروفا بين زملائه أنها في حمايته لا يتعرض لها أحد، ولا يشاغلها أحد. وإذا قصده أحد في أمر قضاه له مروءة، وإذا اجتمع مع زملائه في قهوة أو في خمارة صرف عليهم كل ما يطلبون وسمي هذا جبا فلان.
ومما يمتاز به هؤلاء الفتوات أيضا لغتهم، فلهم لغة خاصة كجمعهم تلميذ على تلاموذ، فيقولون: عملنا اليوم مظاهرة مع التلاموذ. وكقولهم: أنا أضربه وأضرب اللي يشدد له. ومعنى اللي يشدد له، الذي يحميه.
وهكذا في لغتهم الخاصة ويكثر في كلامهم كلمة الفتونة، ويرون أنه لا عار على الفتوة أن يحبس ويسجن ويقتل؛ لأن هذه كلها زكاة ما وهبه الله من القوة، وقد سمعت أن فتوة من هؤلاء نصح أن يترك هذه الأمور ويستقيم فقال: وما قيمة هذه الفتونة إذا، واستمر في طريقته، وسجن وعذب.
وكثيرا ما يكونون حشاشين أو سكرية على حد تعبيرهم. وإذا لعب بهم السكر أفسدوا ما شاءوا. وأكثر ما يظهرون أيام الأعياد وأيام شم النسيم، فيعيثون في الأرض فسادا.
وأحيانا يتواعد فتوات أهل حيين على المقاتلة في جبل الجيوشي بالقاهرة، فيطلعون الجبل وينتصب الصفان، ويتضاربون بالنبابيت وبالحجارة.
وقد يخر بعضهم صريعا أو جريحا، وبعد انفضاض القتال يتصايحون، فيصيح أهل المنشية: نحن غلبنا أهل الحسينية، نحن الجدعان، ونحو ذلك أو العكس، ثم يتواعدون على يوم آخر يتقابلون فيه. وإذا لم يحضر أحد الفريقين كان إعلانا له بالهزيمة.
Page inconnue