Heures entre les livres
ساعات بين الكتب
Genres
أما الأخلاق فعلاقتها بالكساء علاقة لزام، لا يخفيها تبدل الشارة، ولا تجدد الزي والجديلة، فلباس الأمم المجبولة على العزم والشجاعة والحرية غير لباس الأمم المجبولة على الكسل والجبن والهوان، والجزء الذي يوكل إلى اختيار الفرد من ملابسه كفيل بالإبانة عن شخصه ومزاجه، وخليقة نفسه، ودخيلة طبعه، وقد تشف الثياب عن الجسم أو لا تشف، وقد تثقل عليه أوتخف، ولكنها على جميع حالاتها تشف عن النفس في الجماعة أو الفرد أيما شفوف، وتمثلها أدق تمثل، ولسنا نحصر الأمر في العفاف والصيانة، ولا فيما يظنه الناس من نفع الثياب في زجر الشهوات وستر المغريات، فإن الأخلاق كلها على صلة مكينة بما يلبسه الرجال والنساء للزينة أو للوقاية، وعلى مثال واحد في الإبانة، وإن اختلفت لغاتها ولهجاتها في التعبير، وقد نرى فضلا عن هذا أن الثياب زادت عوامل الإغراء ولم تنقصها وأضعفت الصيانة ولم تحصنها؛ لأن المرء يزيد بها جماله ويستر قبحه، ويفسح للخيال مجال التصور والفتنة، وهما أغرى من الواقع والحقيقة، فإذا قلنا: إن للأخلاق علاقة بالثياب فليس الذي نريده أنها تصون العفاف، وتقمع الشهوات، ولكنا نريد الأخلاق بمعناها الواسع الكبير.
في قصة أناتول فرانس عن «جزيرة البنجوين» يروي لنا الكاتب حوارا بين القديس الذي استجيبت دعوته في الطير، فتمثلت بشرا سويا، ودانت بالمسيحية والفداء وبين كاهن عليم بالأمور خبير بغواية الشيطان، فيأبى القديس أن يظل الطير الآدميون عراة الأجسام ويقول الكاهن: «ألا ترى يا أبتاه أن الخير في عري هذه الطير، وما لنا ندثرهم؟ إنهم إذا لبسوا الثياب وقبلوا شريعة الأخلاق داخلتهم الكبرياء، وخامرهم الرياء، وغلبت عليهم القسوة والجفاء.» ويصر القديس على رأيه فيقول له الكاهن وقد أشار إلى واحدة من إناث الطير: «هذه واحدة مقبلة علينا ليست بأوسم ولا بأقبح من سائرهم، وإنها لفتية ولا أحد يرمقها بنظرة، فهي تتلكأ على الشاطئ وتحك ظهرها بأظافرها ولا تزال تمشي وإصبعها في أنفها، ولا يسعك يا أبتاه وأنت تتلمحها إلا أن ترى ضيق كتفيها، ودمامة ثدييها، وسمنة أعضائها، وقصر ساقيها، وإلا أن ترى ركبتيها المحمارتين تصطكان في كل خطوة تخطوها، ومفاصل جسمها وكأنما ركب في كل منها رأس قرد صغير، وانظر إلى قدميها العريضتين تتشعب فيهما العروق وتتشبث أصابعهما الصغيرة العوجاء بالصخر، وتعلق به الإبهامان كأنهما رأسا ثعبان، ها هي تمشي فتختلج كل عضلاتها في الحركة، وننظر نحن إلى تلك العضلات فلا يخطر لنا إلا أنها آلة صنعت للمشي، وليست بالآلة التي صنعت للحب والغرام، وإن كانت لهي آلة لهذا وذاك وفي جسمها أدوات شتى غير ما ذكرناه. فتعال يا سيدي الرسول الجليل ننظر ماذا أنا جاعل منها الساعة.»
ويقبض عليها الكاهن ويلقي بها وهي ترجف من الذعر على قدمي القديس الجليل، وتتضرع إليه ألا يؤذيها ولا يمسها بسوء، ثم يأخذ في إلباسها فيعجبها ما تراه من هذه الزينة المفرغة على جسدها، وتنطلق وقد لفت ذيل إزارها على كفلها، ووزنت خطوتها وهزت ردفيها، فما هو إلا أن يراها واحد من ذكران الطير حتى يتبعها، ثم يقفوه ثان، وثالث، ويلحق بهم كل من كانوا على الشاطئ يضطجعون، ويشهد القديس والكاهن هذه الفتنة المخلوقة من الثياب فيقول الكاهن: «الحق أن في الحياة لسرا يجذب الأنظار إلى النساء، وأن وسواس نفسي لأعظم من أن تجدي فيه المداراة» ثم يهجم على الطائرة الآدمية، ويدفع عنها من حولها، ويعدو بها إلى كهف قريب، فيحوقل القديس ويعلم أنه الشيطان تلبس بجثمان الكاهن؛ ليخلع فتنة اللباس عن الإناث. •••
هذه قصة فيلسوف أبيقوري يعيش في باريس، ويرى ما تصنع الثياب بالنساء والرجال ويؤمن بعقيدة السرور، ولو شاء كل ملاحظ لرأى ما رآه أناتول فرانس، وعلم من القديس أن للشيطان يدا طائلة في صنع الثياب وإبداع الأزياء.
أبيات من الشعر1
هل كان البارودي شاعرا؟ بلا ريب! كان شاعرا له طلاوة وفيه حياة، ولبعض أشعاره نغمة وإيقاع لا نجدهما إلا في القليل من شعر القدماء والمعاصرين، وإنما شكك بعض الناس في شاعريته حذلقة التمييز التي أولع بها من يدعون التفريق بين الكلام ووضع القائلين كل قائل في مقام، فإذا بدت على كلام الشاعر طلاوة الصناعة، قالوا هذا صانع وليس بمطبوع وعز عليهم أن يجعلوه شاعرا حسن الصناعة أو شاعرا مطبوعا على الصناعة الحسنة والرصف المنغوم، وإذا بدت عليه الحكمة قالوا هذه فلسفة وليست بشعر، كأنما الشعر والفلسفة لا يلتقيان أو كأن تصوير بعض الإحساس لا يحتاج إلى فلسفة، وتفهيم بعض الفلسفة لا يحتاج إلى إحساس، وإذا بدت عليه الركة في اللفظ مالوا إلى التسليم له في المعنى ليقولوا هو شاعر التدبيج والتحبير، وليس بشاعر التوليد والتفكير. ليعطوا كلامهم صبغة التمييز، وينزلوا أنفسهم منزلة الحكم والانتقاد، وكثيرا ما قابلوا بين شاعرين فحكموا لأخسهما شعرا، وأضعفها ملكة بالسبق والترجيح؛ لأن المرجوح في نظرهم صاحب فكر وصناعة، فيقولون عنه: إنه صانع ومفكر وليس بشاعر، ولأن الراجح في نظرهم لا فكر له ولا صناعة فهو إذن شاعر؛ لأنه ليس بمفكر ولا بصناع! وهكذا كانت تجني الحذلقة على الأدباء والكتاب والشعراء، وكادت تجني على البارودي فتخرجه من عداد الشعراء، وإنه مع هذا لشاعر له من حسنات التذوق والتصوير ، وإلهام الحس ولطف الشعور، وعذوبة الروح ما ليس للكثيرين، وليس المقام هنا مقام إفاضة في نقد البارودي فنورد لقرائنا محاسن نظمه، ودلائل وحيه، وإنما ألممنا بشاعريته في الطريق لنتكلم في أبيات له تذاكرناها منذ أيام أثناء حديث عن هذا الشاعر الفارس السياسي الأديب. •••
لقيني أديب فاضل، وفي يديه كتاب وسألني: أي هذين البيتين أبلغ معنى وأجمل صياغة قول البارودي:
أقاموا زمانا ثم بدد شملهم
ملول من الأيام شيمته الغدر
أو قوله:
Page inconnue