Heures entre les livres
ساعات بين الكتب
Genres
هل مذهب التقدم والارتقاء يتفق مع القول بتفضيل الثقافات الأولى على ثقافة المتأخرين؟
نعم يتفق، بل يتفق كل الاتفاق، فإذا فرضنا أن مذهب التقدم صحيح مسلم من جميع جهته فمن الذي قال إن طريق التقدم طريقة مستقيمة لا تكون المرحلة الأخيرة منها إلا آخر المراحل وأرقاها على السواء؟ من الذي قال إن سكة التقدم كالسكة الحديدية المفردة لا يكون الكيلو رقم 90 فيها إلا وراء الكيلو 91 و92 و93 وهكذا بلا اختلاف إلى نهاية الطريق؟ نعم من الذي يقول من أنصار مذهب التقدم أو خصومه إن كل رجل في القرن العشرين لا بد أن يكون خيرا من أرسطو وابن سينا في الفضل والعبقرية؛ لأنه يعيش بعدهما بألف سنة أو ألفين ؟ فإذا لم يوجد من يقول بهذا القول؛ فلماذا يوجد من يقول إن كل أمة في القرن العشرين لا بد أن تكون خيرا من كل أمة في القرن العاشر مثلا في روح الثقافة وفي معالم الحضارة، وفي صفات الأخلاق والألباب؟ إن مذهب التقدم لا يمنع أن يكون الذين يتناشدون الأشعار في حرب الأزارقة خيرا من الذين يتحدثون بالخيل والنساء والكلاب في المطعم الإنجليزي بفرنكفورت، ولو كان بين هؤلاء وأولئك ما بينهما من مراحل التاريخ.
نعم لا يمنعه مذهب التقدم، ولا سيما حين نتخيل الخيال الصحيح ونذكر أن الجنود العرب التي كانت تقاتل الأزارقة قد كانت تعرف أيضا مزايا الخيل والنساء والكلاب، وقد كان لها أيضا نصيب من الصحة والحيوية كالنصيب الذي غنمناه نحن في عصر الرياضة البدنية! ومن ذا يعرف الخيل كما يعرفها البدوي الذي يحفظ من أنسابها وأعراقها ما قلما نحفظه نحن من أنساب عظماء الرجال؟ وفي أي لغة من اللغات نقرأ من نعوت الكلاب وحركات الطراد مثل ما نقرؤه في أشعار أولئك البدو الذين لا يعرفون الرياضة البدنية على الأسلوب الحديث؟ أما النساء فقل في التحدث بجمالهن ما شئت، ولكنك لا تستطيع أن تقول إن ذوق الضابط الإنجليزي في اختيار الجمال النسائي هو الذوق الذي لا مزيد عليه بين المعاصرين، أو بين البدو الغابرين!
وبعد فهل كان شوبنهور - الفيلسوف المتشائم - يجهل قدر الكلاب والنساء؛ لأنه يكره الحياة ولا يشعر بالسرور؟ لا! لقد ظلمته أيها الأديب وبخست حق الكلاب والنساء عنده! فهو صاحب الكلب الذي سماه «أتما» باسم روح الوجود عند البراهمة! وهو صاحب ذلك الكلب الذي سماه أطفال المدينة «شوبنهور الصغير»؛ لأنه كان لا يشاهد إلا مع شوبنهور الكبير كالولد مع أبيه! وناهيك بخبرة الفيلسوف بالنساء! إنها لخبرة تنم عليها فلسفته وسيرة حياته ولا يضارعه فيها ضابط عاش حياته كلها في ميادين اللهو والمجون، ولكن الشعور بالكلب والمرأة شيء وعدم الشعور بغيرهما شيء آخر، وما دامت الدنيا لم تخلق كلها كلابا وخيلا ونساء؛ فالخطأ إذن خطأ الجند الذين لا يرون في الدنيا غير الكلاب والخيل والنساء، وليس بخطأ الفيلسوف الذي يرى هذه جميعها، ويرى معها كل ما كان يراه من الحق والباطل في هذه الحياة.
وقد يسأل بعض السائلين في هذا العصر الذي أصبح فيه السؤال هو كل الفلسفة وكل الجواب: ولماذا نقرأ؟ ولماذا نتثقف؟ ولماذا نطلع على الأشعار أو على غير الأشعار؟
لماذا؟
أي والله لماذا!
إن أحدا في الدنيا لا يترك أكل الطعام وشرب الماء، وينتظر ريثما يقول له القائلون لماذا يأكل؟ ولماذا يشرب؟ فهو يأكل ويشرب لأنه يحس في جسمه الجوع والعطش، لا لأن أحدا فسر له علة الأكل وعلة الشراب، ولو أن الذي يسأل لماذا يقرأ، لماذا يتثقف، كانت له نفس تجوع كما يجوع جسمه لاستغنى عن سؤاله، وأقبل على موائد الثقافة غير منتظر جواب ذلك السؤال، فمن كان يسأل الناس على هذا النحو فخير له وللناس ألا يجاب؛ لأنه لا يستفيد مما يسمع ولا يستحق مئونة الجواب. •••
المصيبة في العصور الحديث أنها أخذت بفتنة التسهيل والتقريب في كل شيء بعد هذه المسهلات والمقربات التي أشاعتها فيها الكهرباء، والبخار، ووسائل الانتقال. فنحن كأنما نحتاج اليوم إلى كهرباء عقلية تصل بنا إلى فهم الحقائق في غمضة عين، ولا تكلفنا في هذا العصر ما كانوا يتكلفونه من الجهد والتفكير قبل عهد الكهرباء والبخار، وأين هذه الكهرباء العقلية التي تزيد في سرعة أفهامنا بمقدار الزيادة في سرعة الكهرباء على سرعة الدواب والأقدام؟ أتراها وجدت في هذا العصر، أو يرجى أن توجد في عصر بعده؟ كلا! إنها لم توجد ولن يكون لها أبدا وجود، ولو ضوعفت سرعة الكهرباء الصناعية أضعاف ما بلغت إلى الآن. •••
وليس أكثر من أن تسمع في هذا العصر من المتبطلين المتحذلقين من يقول لك: ما الغرض من القراءة؟ أليس هو اللذة العقلية؟ فكل ما ليس بلذيذ فليس هو بمقروء!
Page inconnue