إن هذا القصر يسكنه المركيز والمركيزة دي وابنتهما، ويبلغ المركيز من العمر ستين عاما، والمركيزة خمسين، وابنتهما ثمانية عشر. أما المركيز فهو غني يبلغ إيراده مليونا في العام، ولهذا المركيز ولد إذا كان لا يزال في قيد الحياة فإن عمره يبلغ الآن أربعة وعشرين عاما، ولهذا الولد قصة، وهي أنه عندما كان عمره عشر سنوات أدخل في سفينة إنكليزية من بواخر شركة الهند بصفة نوتي، ولم يظهر شيء من أثره بعد ذلك، بحيث لا يعلمون إذا كان ميتا أو هو في قيد الحياة، فإن المركيزة تجهل مصيره، ولا يعلم أين هو سوى المركيز، ولا بد له من أن يدفن هذا السر معه، فإنه لم يفارق ولده في عهد الطفولة ويرسله نوتيا في البحار، ويكتم أمره عن امرأته إلا لسبب عظيم، إلا أن أمه لا تزال ترجو أن تراه، فإذا رجع هذا الولد، فإنه يرث ثلاثة أرباع ثروة أبيه حسب نظام تلك العائلة، ويبقى الربع لأخته، وعلى ذلك فيمكن أن ...
إلى هنا انتهت الكتابة الواضحة، وقد كتبت تتمة الحديث باللغة الهيروغليفية الخاصة بالسير فيليام، فكأنه يقول لي: يوجد في لندرا في منزل مشرف على الشارع كنز مدفون، وأين لي أن أعرف هذا المنزل فأجد ذاك الكنز!
ثم دفع هذه الأوراق مغضبا لإبهامها، وقال في نفسه: إن غاية ما أعرفه أنه يوجد مركيزة ترجو أن يعود إليها ولدها، وأن ما يمكن الاستفادة به من ذلك أن أكون ذلك الولد، فإننا بعمر واحد، وقد غادرته طفلا فهي لا تعرفه الآن، ولكن كيف أفعل هذا وأنا لا أعرف اسم المركيزة، ولا أين تقيم؟ ولو ذكر لي السير فيليام اسم الشارع على الأقل لهان الأمر، ولكنه حمل سره معه إلى جزائر المركيز.
ووالله إني أشفق على هذا الرجل وأحسده في حين واحد، أما إشفاقي عليه فلأنه ما شرع في مكيدة إلا بناها على أمتن دعائم الحكمة وحسن التدبير، ولكنه لم يفلح بأمر لما خص به من نكد الطالع، وأما حسدي له، فلما أوتيه من الدهاء وبعد النظر في الأمور. ومن أين لي عقل هذا النابغة!
وما أوشك روكامبول أن يتم هذه المناجاة، حتى سمع صوت ضجيج وتهافت المسافرين إلى ظهر السفينة، وصوت الربان يصدر أوامره الشديدة إلى البحارة، فقال في نفسه: ما هذا الانقلاب؟ إني غادرت الربان منذ ساعة آمنا مطمئنا، وهو الآن يضطرب وينادي البحارة، فما معنى هذا الانقلاب؟
ثم برح غرفته وصعد إلى ظهر السفينة، فوجده يلقي الأوامر والبحارة يطوون الشراع، وعلائم الذعر بادية في وجوه المسافرين، ومع ذلك فإن البحر كان لا يزال على سكونه، والجو على صفائه، فلم يفقه روكامبول معنى هذا الهياج، ودنا من أول مسافر لقيه وكان يلبس لباس رجال البحرية وسأله: أتأذن لي يا سيدي أن أسألك عن السبب فيما أراه من ذعر المسافرين واهتمام البحارة بطي القلوع.
فأجابه المسافر: ذلك لأن العاصفة ستفاجئنا. - أين العواصف، وأنا لا أجد سحابة في السماء؟ - إنك لا تراها لأنك لست من رجال البحرية، فخذ هذا المنظار وانظر إلى أسفل الجهة الغربية من الأفق.
وأخذ روكامبول المنظار ووجهه إلى الجهة المشار إليها، ورأى غمامة صغيرة تشبه الشراع، فقال: ما عسى أن يكون وراء تلك الغمامة؟ - ما وراءها سوى العاصفة، فإنها ستتسع وتمتد حتى تعم بعد ساعة جميع هذا الفضاء، فتنقض منها الصواعق، وتزبد مياه هذا البحر الساكنة، فترقص السفينة على أمواجها كما تضطرب أشعة القمر الآن فوقها، بحيث لو أغفل شراع دون طي غرقت السفينة لا محالة.
وكان الرجل يتكلم بما يدل على خبرته في فن البحار، فعجب روكامبول وسأله: أمثل هذه الغمامة الصغيرة تحدث هذه الأنواء العظيمة؟
فابتسم المسافر وأجاب: إني بحري والبحارة يندر أن يخطئوا بما يبدو لهم من أدلة الأنواء. - إذن فلا بد من العاصفة. - نعم، وستكون شديدة هائلة. - أنحن في خطر أكيد؟ - ربما، إلا إذا أراد الله لنا السلامة، فإنه يبدد هذه العواصف، إلا أني أرى الخطر جليا، وقد أكون مبالغا فيما قلت، على أن الذي يحملني على الرجاء ما أراه من اهتمام الربان وحسن طاعة الملاحين ودربتهم، فإني إذا كنت الآن مسافرا فقد كنت بحارا مثل هؤلاء، وقد تعلمت هذا الفن في سفن شركة الهند.
Page inconnue