Rihla
وحنطناها كالكفن ، وأيقظنا العيون والجفن ، وقصدنا بالإحرام الانسلاخ ، من طبائع الاجباح التي هي كالسباخ ، فوجهنا النفوس لعلام الغيوب ، وما مسنا في ذلك من لغوب ، ولبسنا الأزرار والردا ، وتركنا ما طغى منا واعتدى ، وأزلنا أيضا المخيط والمحيط ، ليتسع الوارد علينا وينبسط ، ويتحلى كلنا بالرضى وما به الإنسان يغتبط ، فالحج قصد للمولى ، وارتباط وترق لمراتب العلى ، بعد غسل القلب من الأدران ، ويطلب حينئذ المحرم غاية الغفران ، ويتهيأ للوصول إلى ما به الامتنان ، سمعا وطاعة لما فيه رضى الرحمان ، فصلى المحرم ركعتين ، على نوعي الكونين ، فبالتكبير لم يبق فيه قلبه أحد الثقلين ، فلما استوي قائما في حضرته ، قال لبيك اللهم لبيك وسعديك في فضله ورحمته ، فقال له الرب جل جلاله تفضل عليك الإله بمنته ، ثم تجلى بما هو أعلى فتدلى له ربه وهو في منصته ، فكان أقرب إليه ، من ريقه في فيه ، قربا من سطوته ، فصار محرما بإحرام البشر ، وهو في الحقيقة غيب نفسه عما لا يعتبر ، وعن الأكوان بمشاهدة المكون ولكنه الذات يعتمر ، فأناخ نفسه ليحمل عليها أعباء التكليف ، ويشد عليها أحمال الحقيقة مع الهودج من التعريف ، فجمع بين الذكر والتذكر ، والسعي والتفكر ، والمعرفة والشكر ، متوجها لبيت الله الحرام ، بالشوق والعشق وقوة الغرام ، فركب مركوب العز والتقوى ، ونال من الله الفوز والقرب والغاية القصوى ، حينئذ قد زالت بشريته ، وانبسطت عليه روحانيته ، فإذا نطق نطق به ، فيه يسمع ويبصر به ، هذا هو الإحرام على التحقيق ، وصاحبه معزول عن التعويق.
نعم هذا صاحب الإصابة والسعد والتوفيق وهذا رابغ ، مشتهر وسائغ ، ورضة العز والدنو والقرب ، وفيه المشاهدة والمجاهدة والحرب ، والإغاثة من كل شدة وكرب.
هذا وانه قرية عظيمة كثيرة المزارع والمقاثي والنخل والمياه وسوقها عظيمة
Page 444