Le Voyage d'Ibn Fadlan chez les Bulgares de la Volga
رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة
Maison d'édition
دار السويدي
Édition
الأولى
Année de publication
٢٠٠٣ م
Lieu d'édition
أبو ظبي
Régions
•Irak
Empires & Eras
Les califes en Irak, 132-656 / 749-1258
أحمد بن فضلان
أحمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حمّاد، كان يعيش في النصف الثاني من القرن الثالث والنصف الأول من القرن الرابع الهجري التاسع والعاشر الميلادي. وهناك في اسمه بعض الاضطرابات: فعبّر عنه ياقوت الحموي بأحمد وورد اسمه في النسخة الخطية للكتاب بصورتين أحمد ومحمد. ولكن يبدو أن اسم أحمد ناشئ من خطأ الكاتب. وهو كان من موالي فاتح مصر محمد بن سليمان المنفق الكاتب الذي قتل سنة ٣٠٤ هـ / ٩١٦ م عند قعلة الري وحين قتاله مع أحمد بن علي أخ محمد بن علي الصعلوك.
وأما عن محلّ ولادته ونسبته فلا توجد معلومات في هذا المجال. والنقطة الوحيدة الملفتة للنظر هي قول ملك الصقالبة مخاطبًا ابن فضلان: «أنا لا أعرف هؤلاء إنّما أعرفك أنت، وذلك أنّ هؤلاء قوم عجم»، فهل كان يعلم الملك بأنه عربي أو لغته عربية، أم خاطبه بذلك لجهله وعدم علمه؟.
لم يكن ابن فضلان رحّالة وإنما هاجر برفقة جمع من الكبار إلى أرض السلافيين أطراف نهر الفولغا بتكليف من الخليفة المقتدر العباسيّ. وذلك حينما كتب ملك الصقالبة في سنة ٣٠٩ هـ / ٩٢١ م بيد عبد الله بن باشتو الخرزي إلى الخليفة يسأله فيه البعثة إليه ممن يفقّهه في الدين، ويعرّفه شرائع الإسلام، ويبني له مسجدًا وينصب له منبرًا ليقيم عليه الدعوة له في بلده وجميع مملكته، ويسأله بناء حصن يتحصن فيه من الملوك المخالفين له. فأرسل الخليفة المقتدر إلى ملك الصقالبة وفدًا يتكوّن من أربعة رجال أساسيين وبضعة مرافقين من الفقهاء والمعلمين والغلمان ومنهم ابن فضلان.
ومن المفروض أن سفيرًا مبعوثًا إلى أقاصي الأرض يجب أن يمتلك الكثير من الحكمة والحنكة، وأنّ بعثة مثل بعثته كانت تستلزم رجلًا ذا ثقافة معقولة، وهو ما نظنّ حاله.
Page inconnue
[مشخصات كتاب]
رحلة ابن فضلان إلى بلاد الترك والروس والصقالبة ٩٢١ حرّرها وقدّم لها: شاكر لعيبي
1 / 3
يشرف على هذه السلسلة:
نوري الجرّاح
1 / 4
[من نص الرحلة ص ١٠٨]
... «فلما كان وقت العصر من يوم الجمعة جاءوا بالجارية إلى شيء قد عملوه مثل ملبن الباب فوضعت رجليها على أكف الرجال وأشرفت على ذلك الملبن، وتكلمت بكلام لها فأنزلوها، ثم أصعدوها ثانية، ففعلت كفعلها في المرة الأولى، ثم أنزلوها وأصعدوها ثالثة، ففعلت فعلها في المرتين، ثم دفعوا إليها دجاجة فقطعت رأسها ورمت به وأخذوا الدجاجة فألقوها في السفينة. فسألت الترجمان عن فعلها فقال: قالت في أول مرة أصعدوها: هو ذا أرى أبي وأمي وقالت في الثانية: هو ذا أرى جميع قرابتي الموتى قعودا. وقالت في المرة الثالثة: هو ذا أرى مولاي قاعدا في الجنة والجنة حسنة خضراء ومعه الرجال والغلمان وهو يدعوني فاذهبوا بي إليه.
فمروا بها نحو السفينة فنزعت سوارين كانا عليها ودفعتهما إلى المرأة التي تسمى ملك الموت وهي التي تقتلها ونزعت خلخالين كانا عليها ودفعتهما إلى الجاريتين اللتين كانتا تخدمانها وهما ابنتا المرأة المعروفة بملك الموت. ثم أصعدوها إلى السفينة ولم يدخلوها إلى القبة وجاء الرجال ومعهم التراس والخشب ودفعوا إليها قدحا نبيذا فغنت عليه وشربته، فقال لي الترجمان: إنها تودع صواحباتها بذلك ثم دفع إليها قدح آخر فأخذته وطولت الغناء والعجوز تستحثها على شربه والدخول إلى القبة التي فيها مولاها فرأيتها وقد تبلدت وأرادت دخول القبة فأدخلت رأسها بينها وبين السفينة فأخذت العجوز رأسها وأدخلتها القبة ودخلت معها. وأخذ الرجال يضربون بالخشب على التراس لئلا يسمع صوت صياحها فيجزع غيرها من الجواري ولا يطلبن الموت مع مواليهن ثم دخل إلى القبة ستة رجال فجامعوا بأسرهم الجارية ثم أضجعوها إلى جانب مولاها وأمسك اثنان رجليها واثنان يديها وجعلت العجوز التي تسمى ملك الموت في عنقها حبلا مخالفا ودفعته إلى اثنين ليجذباه وأقبلت ومعها خنجر عريض النصل فأقبلت تدخله بين أضلاعها موضعا موضعا وتخرجه والرجلان يخنقانها بالحبل حتى ماتت.»
من نص الرحلة ص ١٠٨
1 / 5
استهلال
تهدف هذه السّلسلة بعث واحد من أعرق ألوان الكتابة في ثقافتنا العربية، من خلال تقديم كلاسيكيّات أدب الرّحلة، إلى جانب الكشف عن نصوص مجهولة لكتاب ورحّالة عرب ومسلمين جابوا العالم ودوّنوا يوميّاتهم وانطباعاتهم، ونقلوا صورا لما شاهدوه وخبروه في أقاليمه، قريبة وبعيدة، لا سيما في القرنين الماضيين اللذين شهدا ولادة الاهتمام بالتجربة الغربية لدى النّخب العربية المثقفة، ومحاولة التعرّف على المجتمعات والنّاس في الغرب، والواقع أنه لا يمكن عزل هذا الاهتمام العربي بالآخر عن ظاهرة الاستشراق والمستشرقين الذين ملؤوا دروب الشّرق، ورسموا له صورا ستملأ مجلدات لا تحصى عددا، خصوصا في اللغات الإنكليزية والفرنسية والألمانية والإيطالية، وذلك من موقعهم القوي على خارطة العالم والعلم، ومن منطلق المستأثر بالأشياء، والمتهيّئ لترويج صور عن «شرق ألف ليلة وليلة» تغذّي أذهان الغربيين ومخيّلاتهم، وتمهّد الرأي العام، تاليا، للغزو الفكري والعسكري لهذا الشرق. ولعل حملة نابليون على مصر، بكل تداعياتها العسكرية والفكرية في ثقافتنا العربية، هي النموذج الأتمّ لذلك.
فقد دخلت المطبعة العربية إلى مصر مقطورة وراء عربة المدفع الفرنسي
1 / 7
لتؤسس للظاهرة الاستعمارية بوجهيها العسكري والفكري.
على أن الظّاهرة الغربية في قراءة الآخر وتأويله، كانت دافعا ومحرضا بالنسبة إلى النخب العربية المثقفة التي وجدت نفسها في مواجهة صور غربيّة لمجتمعاتها جديدة عليها، وهو ما استفز فيها العصب الحضاري، لتجد نفسها تملك، بدورها، الدوافع والأسباب لتشدّ الرحال نحو الآخر، بحثا واستكشافا، وتعود ومعها ما تنقله وتعرضه وتقوله في حضارته ونمط عيشه وأوضاعه، ضاربة بذلك الأمثال للناس، ولينبعث في المجتمعات العربية، وللمرة الأولى، صراع فكري حاد تستقطب إليه القوى الحيّة في المجتمع بين مؤيد للغرب موال له ومتحمّس لأفكاره وصياغاته، وبين معاد للغرب، رافض له، ومستعدّ لمقاتلته.
وإذا كان أدب الرحلة الغربي قد تمكن من تنميط الشرق والشرقيين، عبر رسم صور دنيا لهم، بواسطة مخيّلة جائعة إلى السّحري والأيروسيّ والعجائبيّ، فإن أدب الرحلة العربي إلى الغرب والعالم، كما سيتّضح من خلال نصوص هذه السلسة، ركّز، أساسا، على تتبع ملامح النهضة العلميّة والصناعيّة، وتطوّر العمران، ومظاهر العصرنة ممثلة في التطور الحادث في نمط العيش والبناء والاجتماع والحقوق. لقد انصرف الرّحالة العرب إلى تكحيل عيونهم بصور النهضة الحديثة في تلك المجتمعات، مدفوعين، غالبا، بشغف البحث عن الجديد، وبالرغبة العميقة الجارفة لا في الاستكشاف فقط، من باب الفضول المعرفي، وإنما، أساسا، من باب طلب العلم، واستلهام التجارب، ومحاولة الأخذ بمعطيات التطور الحديث، واقتفاء أثر الآخر للخروج من حالة الشّلل الحضاريّ التي وجد العرب أنفسهم فريسة لها.
هنا، على هذا المنقلب، نجد أحد المصادر الأساسية المؤسّسة للنظرة الشرقية المندهشة بالغرب وحضارته، وهي نظرة المتطلّع إلى المدنيّة وحداثتها من
1 / 8
موقعه الأدنى على هامش الحضارة الحديثة، المتحسّر على ماضيه التليد، والتّائق إلى العودة إلى قلب الفاعلية الحضارية.
إن أحد أهداف هذه السّلسة من كتب الرحلات العربية إلى العالم، هو الكشف عن طبيعة الوعي بالآخر الذي تشكّل عن طريق الرحلة، والأفكار التي تسرّبت عبر سطور الرّحالة، والانتباهات التي ميّزت نظرتهم إلى الدول والناس والأفكار. فأدب الرحلة، على هذا الصعيد، يشكّل ثروة معرفيّة كبيرة، ومخزنا للقصص والظواهر والأفكار، فضلا عن كونه مادة سرديّة مشوّقة تحتوي على الطريف والغريب والمدهش مما التقطته عيون تتجوّل وأنفس تنفعل بما ترى، ووعي يلمّ بالأشياء ويحلّلها ويراقب الظواهر ويتفكّر بها.
أخيرا، لا بد من الإشارة إلى أن هذه السّلسلة التي قد تبلغ المائة كتاب من شأنها أن تؤسس، وللمرة الأولى، لمكتبة عربية مستقلّة مؤلّفة من نصوص ثريّة تكشف عن همّة العربيّ في ارتياد الآفاق، واستعداده للمغامرة من باب نيل المعرفة مقرونة بالمتعة، وهي إلى هذا وذاك تغطي المعمور في أربع جهات الأرض وفي قارّاته الخمس، وتجمع إلى نشدان معرفة الآخر وعالمه، البحث عن مكونات الذات الحضارية للعرب والمسلمين من خلال تلك الرحلات التي قام بها الأدباء والمفكرون والمتصوفة والحجاج والعلماء، وغيرهم من الرّحالة العرب في أرجاء ديارهم العربية والإسلامية.
محمد أحمد السويدي
1 / 9
المقدّمة
إذا ما استحقّت رحلة ابن فضلان التي قام بها سنة ٩٢١ م عناية استثنائية من طرف الباحثين والمحققين، فلأنّها من أوائل الرحلات العربية التي وصلت إلينا. ومقارنة برحلة أبي دلف سنة ٩٤٢، ورحلة المقدسي سنة ٩٨٥- ٩٩٠ م، فإن رحلة ابن فضلان تظلّ مشغولة بهمّ توثيقيّ صرف أكثر من اهتمامها بالشأن الجغرافيّ. إنّها وصف أنثروبولوجيّ يتمحور حول موضوع واحد محدّد لا يحيد عنه رغم قصر النّسخة الواصلة إلينا.
لقد انطلق ابن فضلان يوم الخميس ١١ صفر سنة ٣٠٩ هـ، الموافق ٢١ حزيران سنة ٩٢١ م، برحلة شائقة بتكليف من الخليفة المقتدر العباسيّ الذي طلب الصقالبة العون منه. واستغرقت الرحلة أحد عشر شهرا في الذّهاب، وكانت مليئة بالمغامرات والمشاقّ والمصاعب السياسيّة والانفتاحات على الآخر المختلف ثقافيا.
والصقالبة هم سكّان شمال القارّة الأوربيّة، وكانوا يسكنون على أطراف نهر الفولغا، وتقع عاصمتهم بالقرب من (قازان) اليوم في خطّ يوازي مدينة موسكو.
وكان وفد الخليفة المقتدر إلى ملك الصقالبة يتكوّن من أربعة رجال أساسيين وبضعة مرافقين من الفقهاء والمعلمين والغلمان.
1 / 11
النسخة الوحيدة لمخطوطة رسالة ابن فضلان:
صدرت الطبعة الأولى من «رسالة ابن فضلان» بدمشق سنة ١٩٥٩ عن مجمع اللّغة العربية في دمشق بتحقيق الدكتور سامي الدهان، مع تقديم واسع وشروحات ضافية. ثمّ صدرت طبعتها الثانية عن مديرية إحياء التراث العربيّ في وزارة الثقافة والإرشاد القوميّ السورية عام ١٩٧٧. ثم صدرت لها طبعة ثالثة (كتب عليها أنّها الطبعة الثانية!) سنة ١٩٨٧ عن مكتبة الثقافة العالمية في بيروت، وعليها نعتمد نحن في طبعتنا هذه.
يتخذ الدكتور الدهان من (صورة شمسية) لرسالة ابن فضلان أصلا للتحقيق الذي قام به. وإليكم تفصيل الأمر: في سنة ١٩٢٤ نشر ماركوارت Markwart دراسة عن الرّحالة في ليبتسك، وفي نفس السّنة تسلّم المعهد الآسيويّ للاستشراق في بطرسبورغ ورقتين مصورتين من النّسخة الخطيّة التي اكتشفت في مدينة مشهد (طوس) الإيرانية، ووصلت بقيّة الأوراق مصورة بعد عشر سنوات إلى العهد. ومنذ ذلك العام نفسه نشر مقال بالروسيّة في التّعريف بالنّسخة الخطيّة المكتشفة في خزانة المخطوطات بمشهد. في سنة ١٩٢٦ صدر فهرس هذه الخزانة، وفيه وصف هذه النّسخة، تحت رقم ٢ «أخبار البلدان» عربي. وقد كتبت المخطوطة بخطّ النّسخ، وفي كلّ صفحة منها ١٩ سطرا، وأوراقها ٢١٢ ورقة آخرها مبتور مخروم.
وأوّل من حقّق مخطوطة مشهد وعلّق عليها وترجمها هو الباحث التركيّ وليد زكي طوغان الذي قابلها على ما جاء عند ياقوت الحموي ونشرها بالحروف العربية والترجمة الألمانية وطبعها سنة ١٩٣٩. وفي السّنة نفسها ترجمها المستشرق الكبير كراتشوفسكي وكتب لها مقدمة ضافية، وفي آخر دراسته نشر صورة فوتغرافية للرّسالة كاملة عن مخطوطة مشهد وبحجم كبير «١» .
وإلى أساس هذه الصور الشّمسيّة التي نشرها كرتشوفسكي يستند التحقيق كلّه
1 / 12
الذي قام به د. الدّهان، وبالاستعانة، كما أحسب، بطبعة وليد زكي طوغان العربية- الألمانية.
ياقوت الحموي يقود إلى ابن فضلان
قبل التوصّل إلى اكتشاف مخطوطة مشهد التي نشرها د. الدّهان فإنّ النقولات التي قام بها ياقوت الحمويّ في (معجم البلدان) عن رحلة ابن فضلان هي التي قادت المستشرقين والباحثين للاهتمام بابن فضلان محاولين العثور على نسخة من عمله، وهو ما توصلوا إليه أخيرا.
يثبت د. الدّهان أنّ الإصطخريّ «٢» وابن رسته والمسعوديّ قد قرأوا رسالة ابن فضلان ونقلوا عنه دون أن يثبتوا أنّهم قد نقلوا عنه. لكنّ الرّجوع إلى هؤلاء يبرهن أنّ ما يذكرونه، عن الروس والخزر والبلغار، لا يبدو كثير التطابق مع رسالة ابن فضلان إلا عرضا وبنقاط معلوماتية مشاعة، يمكن أن تتهيأ لأيّ جغرافيّ جاد دون أن ينقل بالضرورة عن غيره.
يذكر الدّهان أنّ ياقوت، في القرن السابع، كان (أول) من أشار إلى ابن فضلان، مختارا فصولا من رسالته ومدرجا إيّاها في معجمه، مصرّحا أي ياقوت، بأوضح
1 / 13