Levée des doutes et des incertitudes sur ceux qui justifient les péchés par le destin

رفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدر

Enquêteur

أسعد محمد المغربي

Maison d'édition

دار حراء-مكة المكرمة

Édition

الأولى

Année de publication

١٤١٠هـ

Lieu d'édition

السعودية

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَبِه ثقتي
قَالَ العَبْد الْفَقِير إِلَى الله تَعَالَى مرعي بن يُوسُف الْحَنْبَلِيّ الْمَقْدِسِي الْحَمد لله ذِي الْحلم وَالْفضل وَالْحكم والفصل ﴿الَّذِي خلق فسوى وَالَّذِي قدر فهدى﴾ الحكم الْعدْل ﴿وَمن يُؤمن بِاللَّه يهد قلبه﴾ وَلَا يسمع فِي حبه العذل وَالصَّلَاة وَالسَّلَام على الصَّادِق المصدوق الْمبلغ عَن الله الْفَرْض وَالنَّفْل وعَلى آله وَأَصْحَابه الَّذين تركُوا الْهوى وتمسكوا بِصَحِيح النَّقْل وَلم يتبعوا مُجَرّد الآراء وَالْعقل
وَبعد فقد وَقعت مذاكرة فِي بعض مسَائِل الْقدر فِي بعض الْمجَالِس فَذكر لي أَن بعض دراويش متصوفة الْفُقَرَاء الَّذين وَقَعُوا فِي الْإِبَاحَة والآثام وطووا بِسَاط الشَّرْع وَرفعُوا قَوَاعِد الْأَحْكَام وسووا بعقولهم بَين الْحَلَال وَالْحرَام كَانَ لَا يَصُوم وَلَا يُصَلِّي منهمكا على الْمُحرمَات كالخمور وَنَحْوهَا من اللَّذَّات فآعترض عَلَيْهِ فِي ذَلِك فَأجَاب بِمَا مضمونه أَنه قد رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف وَأَن هَذَا مُقَدّر عَليّ وَأَنا لَا أقدر على رفع مَا قدره الله عَليّ وأستدل أَيْضا بإحتجاج آدم على مُوسَى حَيْثُ قَالَ لمُوسَى أفتلومني على أَمر قد قدره الله عَليّ قبل أَن أخلق فحج آدم مُوسَى فَرفع فِي ذَلِك فَتْوَى للعلامة أبي السُّعُود الْمُفْتِي صَاحب التَّفْسِير تغمده الله تَعَالَى بِالرَّحْمَةِ والرضوان وحف بأرجاء قَبره الرّوح وَالريحَان فَأجَاب ﵀ على عَادَة الْمُفْتِينَ بالزجر والصمع وَالتَّشْدِيد والردع لمن يفعل مثل ذَلِك لكنه لم يفصح بِبَيَان دفع الشُّبْهَة

1 / 15

الْوَاقِعَة لمن يفعل ذَلِك فَإِن مثل هَذَا مُشكل يحْتَاج لجواب يدْفع شُبْهَة من قَامَت عِنْده مثل هَذِه الشُّبْهَة وأشكاله من خَمْسَة أوجه
الأول حَيْثُ أَن الْمُقدر كَائِن لَا محَالة وَأَنه لَا يكون إِلَّا مَا قدره الله وَسبق علمه بِهِ فَمَا فَائِدَة الْعَمَل وَهل لَهُ تَأْثِير على دفع الْمَقْدُور وَمَا الدَّلِيل على ذَلِك
الثَّانِي أَن آدم قد احْتج على مُوسَى بِالْقدرِ وَقَالَ فِي الحَدِيث (فحج آدم مُوسَى) أَي غَلبه فِي الْحجَّة مَعَ أَن الْعلمَاء قاطبة يَقُولُونَ نؤمن بِالْقدرِ وَلَا نحتج بِهِ وَإِلَّا فَلَو سَاغَ الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ لَكَانَ إِبْلِيس أَيْضا يحْتَج بِهِ فِرْعَوْن أَيْضا يحْتَج بِهِ على مُوسَى وَكَذَلِكَ سَائِر العصاة وَذَلِكَ بَاطِل وَحَيْثُ كَانَ كَذَلِك فَكيف آدم احْتج بِهِ وَسلم لَهُ احتجاجه وَمَا وَجه ذَلِك
الثَّالِث مَا الدَّلِيل على إبِْطَال الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ وذمه مَعَ أَن آدم أحتج بِهِ
الرَّابِع إِنَّه حَيْثُ لَا يقبل الِاحْتِجَاج بِالْقدرِ وَأَنه لَا يكون إِلَّا مَا يُريدهُ الله وَقدره وَسبق علمه بِهِ فَيلْزم أَن الله تَعَالَى يُكَلف العَبْد مَا لَا يُطيق ثمَّ يُعَاقِبهُ على مَا لَا طَاقَة لَهُ بِفِعْلِهِ وَهُوَ ظلم مَعَ أَن الله تَعَالَى أَيْضا هُوَ الْخَالِق لذَلِك وَمَا الْحِكْمَة فِي تَكْلِيف الْمُكَلّفين وعقاب العاصين
الْخَامِس حَيْثُ إِن الْقدر سَابق وَإِن الله هُوَ الْخَالِق لكل شَيْء رُبمَا لزم عَلَيْهِ إفحام الْأَنْبِيَاء ﵈ وَانْقِطَاع حجتهم لِأَن النَّبِي إِذا قَالَ للْكَافِرِ آمن بِي وصدقني يَقُول لَهُ قل للَّذي بَعثك يخلق فِي الْإِيمَان وَالْقُدْرَة عَلَيْهِ فأؤمن وَإِلَّا فَكيف أُؤْمِن وَلَا قدرَة لي عَلَيْهِ لِأَنَّهُ خلق فِي الْكفْر وَأَنا لَا أقدر على دفع مَا خلقه فِي هَذَا وَفِي الْحَقِيقَة أَن مثل هَذَا بِحَسب الظَّاهِر مُشكل يحْتَاج لأجوبة قَاطِعَة تدفع شُبُهَات من قَامَت عِنْده وَإِلَّا فَأَي غَرَض فِي الرَّمْي إِلَى غير غَرَض وَهل المُرَاد فِي مقَام النزاع وَالِاسْتِدْلَال إِلَّا

1 / 16

إِيرَاد مَا يقطع النزاع والجدال من الْآيَات الْبَينَات والدلائل الواضحات فَإِنَّهَا إِذا أُقِيمَت إنقطع النزاع وَقُرِئَ ﴿الْآن حصحص الْحق﴾ وَلَا دفاع وَإِلَّا فللخصم أَن يَقُول هَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة عَن الدَّلِيل فَلَا أرجع إِلَيْهَا وَلَا أعْتَمد عَلَيْهَا لِأَن هَذِه أُمُور اعتقادية فَلَا أرجع فِيهَا إِلَّا للأدلة اليقينية من النقلية والعقلية وَإِلَّا فَهِيَ دَعوه مُجَرّدَة مُقَابلَة بِالْمَنْعِ وَالرَّدّ وَعدم الْقبُول وَقد أَحْبَبْت أَن أذكر فِي الْجَواب مَا يفتح بِهِ الفتاح الْوَهَّاب وسميته رفع الشُّبْهَة وَالْغرر عَمَّن يحْتَج على فعل الْمعاصِي بِالْقدرِ

1 / 17

مُقَدّمَة
اعْلَم أيدك الله تَعَالَى أَن كثيرا مِمَّن ينتسب إِلَى التصوف قد صدرت مِنْهُم مقالات شنيعة واعتقادات فظيعة فِي هَذَا الزَّمَان وَقبل هَذَا الزَّمَان فَمنهمْ من يَقُول إِن الله تَعَالَى يحل فِي قلب الْعَارِف وَيتَكَلَّم بِلِسَانِهِ كَمَا يتَكَلَّم الجني على لِسَان المصروع وَمِنْهُم من يَقُول هَذَا السِّرّ لذِي باح بِهِ الحلاج وَغَيره وَهَذَا عِنْدهم من الْأَسْرَار الَّتِي يكتمها العارفون وَلَا يبوحون بهَا إِلَّا لخواصهم وَمِنْهُم من يَقُول إِن الحلاج إِنَّمَا قتل لِأَنَّهُ باح بالسر وينشد
(من باح بالسر كَانَ الْقَتْل سيمته ... بَين الرِّجَال وَلَا يُؤْخَذ لَهُ ثأر) وَمِنْهُم من يَجْعَل الْقُبُور الجميلة مظَاهر الْجمال الإلهي وَمِنْهُم من يَقُول بحلوله تَعَالَى فِي الصُّور الجميلة وَيَقُول إِنَّه يُشَاهد فِي الْأَمْرَد معبودة أَو صِفَات معبوده أَو مظَاهر جماله وَمِنْهُم من يسْجد للأمرد قَالَ شيخ الاسلام ابْن تَيْمِية ثمَّ من هَؤُلَاءِ من يَقُول بالحلول والاتحاد الْعَام لكنه يتعبد بمظاهر الْجمال لما فِي ذَلِك من اللَّذَّة لَهُ فيتخذ إلهه هَوَاهُ قَالَ وَهَذَا مَوْجُود فِي كثير من المنتسبين إِلَى الْفِقْه والتصوف وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه يرى الله مُطلقًا وَلَا يعين الصُّورَة الجميلة بل يَقُولُونَ إِنَّهُم يرونه فِي صور مُخْتَلفَة وَكثير من جهال أهل الْحَال يَقُولُونَ إِنَّهُم يرَوْنَ الله عيَانًا فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُم عرج بهم إِلَى السَّمَاء وَنَحْو ذَلِك من المقالات الشنيعة وَأهل السّنة متفقون على أَن الله تَعَالَى لَا يرَاهُ أحد بِعَيْنِه فِي الدُّنْيَا لَا نَبِي وَلَا غير نَبِي وَلم يتنازع النَّاس فِي ذَلِك إِلَّا فِي نَبينَا خَاصَّة
وَأما القَوْل بِإِبَاحَة وَحل الْمُحرمَات فَهَذَا وَاقع من كثير مِنْهُم بل وَمن غَيرهم وَهَذَا فِي الأَصْل إِنَّمَا هُوَ قَول أَئِمَّة الباطنية القرامطة وَكثير من الفلاسفة الَّذين يضْرب بهم الْمثل فَيُقَال فلَان يسْتَحل دمي كأستحلال

1 / 18

الفلاسفة مَحْظُورَات الشَّرَائِع ثمَّ تَبِعَهُمْ فِي ذَلِك من ينتسب للتصوف من متصوفة الْمَلَاحِدَة
قَالَ الإِمَام ابْن النقاش فِي تَفْسِيره وأنقص الْمَرَاتِب عِنْد هَؤُلَاءِ مرتبَة أهل الشَّرِيعَة وهم الْفُقَهَاء الواقفون مَعَ الْحَلَال وَالْحرَام وَأَعْلَى مِنْهُم مرتبَة الْمُتَكَلّم على طَريقَة الْجَهْمِية والمعتزلة ثمَّ مرتبَة الفيلسوف ثمَّ مرتبَة الْمُحَقق والمحقق فِي عرفهم هُوَ الْقَائِل بوحدة الْوُجُود ويسمون الْعقل الْعلم ويسمون النَّفس الفلكية اللَّوْح وَيدعونَ أَن ذَلِك هُوَ اللَّوْح الْمَحْفُوظ فِي كَلَام الله وَرَسُوله وَلِهَذَا يَدعِي أحدهم أَنه مطلع على اللَّوْح الْمَحْفُوظ
قَالَ ابْن تَيْمِية وَقد يَقُولُونَ الْوُجُود وَاحِد ثمَّ يجْعَلُونَ المردان مظَاهر الْجمال فيجعلون هَذَا الشّرك الْأَعْظَم طَرِيقا إِلَى الْوُصُول إِلَى إستحلال الْفَوَاحِش بل إِلَى كل محرم كَمَا قيل لبَعض مشايخهم إِذا كَانَ قَوْلكُم بِأَن الْوُجُود وَاحِد هُوَ الْحق فَمَا الْفرق بَين الْأَجْنَبِيَّة وَبَين أُمِّي وأختي وبنتي حَتَّى يكون هَذَا حَلَال وَهَذَا حرَام فَقَالَ الْجَمِيع عندنَا سَوَاء وَلَكِن هَؤُلَاءِ المحجوبون قَالُوا حرَام فَقُلْنَا حرَام عَلَيْكُم قَالَ وَلِهَذَا تَجِد الْوَاحِد من هَؤُلَاءِ يُنكر على من يُنكر الْمُنكر وَيَقُول هَذَا مُقَدّر عَلَيْكُم وَيَقُول بعض مشايخهم أَنا كَافِر بِرَبّ يعْصى وَيَقُول لَو قتلت سبعين نَبيا مَا كنت مخطئا وَيَقُول شَاعِرهمْ
(أَصبَحت منفعلا لما تختاره ... مني ففعلي كُله طاعات)
وَمِنْهُم من يَقُول إِن العَبْد إِذا بلغ غَايَة الْمحبَّة وَصفا قلبه وأختار الْإِيمَان على الْكفْر سقط عَنهُ الْأَمر وَالنَّهْي وَمِنْهُم من يَقُول إِنَّه تسْقط عَنهُ الْعِبَادَات الظَّاهِرَة وَتَكون عباداته التفكر وكل هَؤُلَاءِ بمعزل عَن الْإِسْلَام وهم كَمَا قيل
(وَمَا انتسبوا إِلَى الْإِسْلَام إِلَّا ... لصون دِمَائِهِمْ أَن لَا تسالا)
(فَيَأْتُونَ الْمعاصِي فِي نشاط ... ويأتون الصَّلَاة وهم كسَالَى)

1 / 19

قَالَ ابْن تَيْمِية وَمِنْهُم طَائِفَة ظنت أَن كل مَا خلق الله فقد أحبه وَهَؤُلَاء قد يخرجُون إِلَى مَذَاهِب الْإِبَاحَة أَيْضا فَيَقُولُونَ إِنَّه تَعَالَى يحب الْكفْر والفسوق والعصيان ويرضي ذَلِك وَأَن الْعَارِف إِذا شهد هَذَا الحكم لم يستقبح سَيِّئَة لشهوده القيومية الْعَامَّة وَخلق الرب لكل شَيْء وَيَقُول شَاعِرهمْ
(مَا الْأَمر إِلَّا نسق وَاحِد ... مَا فِيهِ من حمد وَلَا ذمّ)
قَالَ وَهَذَا غلط عَظِيم فَإِن الْكتاب وَالسّنة واتفاق سلف الْأمة صَرِيح بِأَن الله يحب أنبياءه وأولياءه وَمَا أَمر بِهِ وَلَا يحب الشَّيَاطِين والكافرين وَلَا مَا نهى عَنهُ
قَالَ وَمن المدعين للمعرفة والحقيقة والفناء الَّذين يطْلبُونَ أَن يكون لَهُم مُرَاد مَعَ الْحق بل يُرِيدُونَ مَا يُرِيد الْحق وَمِنْهُم من يَقُول إِن الْكَمَال أَن تغنى عَن إرادتك وَتبقى مَعَ إِرَادَة رَبك وَلَيْسَت الطَّاعَات عِنْدهم سَبَب للثَّواب وَلَا الْمعاصِي سَببا للعقاب والعارف عِنْدهم من يكون مشاهدا سبق الْحق بِحكمِهِ وَعلمه أَي يشْهد إِنَّه علم مَا سَيكون وَحكم بِهِ أَي أَرَادَهُ وقضاه وَكتبه وَكَثِيرًا من أهل هَذَا الْمَذْهَب يتركون الْأَسْبَاب الدُّنْيَوِيَّة ويجعلون وجود السَّبَب كَعَدَمِهِ وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد فِي قوم لَا يعْملُونَ بالتكسب وَيَقُولُونَ نَحن متوكلون هَؤُلَاءِ مبتدعة
وَمِنْهُم قوم زنادقة يتركون الْأَسْبَاب الأخروية وَيَقُولُونَ إِن سبق الْعلم أننا سعداء فَنحْن سعداء وَإِن سبق أننا أشقياء فنخن أشقياء فَلَا فَائِدَة فِي الْعَمَل فيتركون الْعَمَل بِنَاء على هَذَا الأَصْل الْفَاسِد
إِذا تقرر هَذَا فَالْجَوَاب عَن الأول وَهُوَ أَنه حَيْثُ الْمُقدر كَائِن لَا محاله فَمَا فَائِدَة الْعَمَل وَهل لَهُ تَأْثِير فِي رفع الْمَقْدُور إِلَى آخِره

1 / 20

الْجَواب الأول
فَنَقُول لَا ريب أَن الْمَقَادِير سَابِقَة وَقد جرى الْقَلَم بِمَا هُوَ كَائِن إِلَى الْأَبَد قَالَ إِمَام النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم إِن الله تَعَالَى قدر مقادير الْخلق وَمَا يكون من الْأَشْيَاء قبل أَن يكون فِي الْأَزَل وَعلم سُبْحَانَهُ أَنَّهَا ستقع فِي أَوْقَات مَعْلُومَة عِنْده وعَلى صِفَات مَخْصُوصَة فَهِيَ تقع على حسب مَا قدرهَا
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن تَيْمِية إِن علم الله تَعَالَى السَّابِق مُحِيط بالأشياء على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَلَا محو فِيهِ وَلَا تَغْيِير وَلَا زِيَادَة وَلَا نقص فَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يعلم مَا كَانَ وَمَا يكون وَمَا لَا يكون لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون وَأما مَا جرى بِهِ الْقَلَم فِي اللَّوْح الْمَحْفُوظ فَهَل يكون فِيهِ محو وَإِثْبَات على قَوْلَيْنِ الْعلمَاء
قَالَ وَأما الصُّحُف الَّتِي بيد الْمَلَائِكَة فَيحصل فِيهَا المحو وَالْإِثْبَات انْتهى وَقد بسطت الْكَلَام على هَذَا فِي كتابي إتحاف ذَوي الْأَلْبَاب فِي قَوْله تَعَالَى يمحو الله مَا يَشَاء وَيثبت وَعِنْده أم الْكتاب
وَفِي صَحِيح مُسلم عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ ﵁ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول كتب الله مقادير الْخَلَائق قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ الف سنة وعرشه على المَاء

1 / 21

وَفِي حَدِيث الإِمَام أَحْمد وَالتِّرْمِذِيّ قدر الْمَقَادِير قبل أَن يخلق السَّمَوَات وَالْأَرْض بِخَمْسِينَ ألف سنة
وَحَدِيث أَحْمد وَمُسلم عَن ابْن عمر وكل شَيْء بِقدر حَتَّى الْعَجز والكيس وَفِي الْقُرْآن الْعَزِيز ﴿مَا أصَاب من مُصِيبَة فِي الأَرْض وَلَا فِي أَنفسكُم إِلَّا فِي كتاب من قبل أَن نبرأها﴾ وَفِيه أَيْضا ﴿قل لن يصيبنا إِلَّا مَا كتب الله لنا﴾ والآيات وَالْأَحَادِيث فِي مثل هَذَا كَثِيرَة وَالْمَقْصُود هُنَا أَن من شهد هَذَا المشهد فشهوده حق لَكِن وَرَاء هَذَا المشهد مشْهد آخر وَهُوَ أَن يشْهد الْمَقَادِير مقدرَة بأسبابها لِأَنَّهُ يشهدها مُجَرّدَة عَن الْأَسْبَاب فَإِنَّهُ إِن شهد ذَلِك كَانَ شُهُوده نَاقِصا أعمى وينشأ لَهُ الْغَلَط من أَن الْأَعْمَال لَا تَنْفَع وَأَن الْأَسْبَاب لَا تفِيد وَهُوَ قَول مَبْنِيّ على أصل فَاسد وَلَا ريب أَن هَذَا الأَصْل الْفَاسِد الَّذِي وَقع فِيهِ بعض المتصوفة وَمن التحقق بهم هُوَ مُخَالف للْكتاب وَالسّنة وأئمة الدّين ومخالف صَرِيح الْمَعْقُول ومخالف للحس والمشاهدة فَأن الله تَعَالَى أجْرى عَادَته الإلهية فِي هَذَا الْعَالم على أَسبَاب ومسببات تناط بِتِلْكَ الْأَسْبَاب وينسب أَيْضا وُقُوعهَا إِلَيْهَا نظرا للصورة الوجودية وَإِن كَانَ الْكل فِي الْحَقِيقَة بِقَضَائِهِ وَقدره بأعتبار الْحَقِيقَة الإيجادبة
وَقد سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن إِسْقَاط الْأَسْبَاب نظرا إِلَى الْقَضَاء وَالْقدر

1 / 22

السَّابِق فَرد ﵇ على ذَلِك كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ مَا مِنْكُم من أحد إِلَّا وَقد علم مَقْعَده من الْجنَّة ومقعده من النَّار قَالُوا يَا رَسُول الله أَفلا نَدع الْعَمَل ونتكل على الْكتاب فَقَالَ لَا اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
وَفِي صَحِيح مُسلم فِي حَدِيث عَليّ بن أبي طَالب عَن النَّبِي ﷺ وَفِيه قَالَ مَا من نفس منفوسة إِلَّا وَقد كتب الله مَكَانهَا فِي الْجنَّة وَالنَّار إِلَّا وَقد كتب شقية أَو سعيدة قَالَ فَقَالَ رجل يَا رَسُول الله أَفلا نمكث على كتَابنَا وَنَدع الْعَمَل فَقَالَ من كَانَ من أهل السَّعَادَة فسيصير إِلَى عمل أهل السَّعَادَة وَمن كَانَ من أهل الشقاوة فسيصير إِلَى عمل أهل الشقاوة اعْمَلُوا فَكل ميسر لما خلق لَهُ
وروى الإِمَام أَبُو حنيفَة عَن عبد الْعَزِيز بن رفيع عَن مُصعب بن سعد بن أبي وَقاص قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ مَا من نفس إِلَّا وَقد كتب الله مخرجها ومدخلها وَمَا هِيَ لاقية فَقَالَ رجل من الْأَنْصَار فَفِيمَ الْعَمَل يَا رَسُول الله فَقَالَ اعْمَلُوا كل ميسر لما خلق لَهُ أما أهل الشَّقَاء فييسرون لعمل أهل الشَّقَاء وَأما أهل السَّعَادَة فييسرون لعمل أهل السَّعَادَة فَقَالَ الْأنْصَارِيّ الْآن حق الْعَمَل
وَفِي السّنَن أَنه ﷺ قيل لَهُ أَرَأَيْت أدوية نتداوى بهَا ورقى نسترقي بهَا وتقاة نتقيها هَل ترد من قدر الله شَيْئا فَقَالَ ﵇ هِيَ من قدر الله تَعَالَى

1 / 23

وَلما رَجَعَ عمر بن الْخطاب ﵁ عَن دُخُول دمشق من أجل الطَّاعُون قَالَ لَهُ أَبُو عُبَيْدَة كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ إِذْ ذَاك أَمِير الشَّام أفرارا من قدر الله فَقَالَ عمر لَو غَيْرك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَة نعم نفر من قدر الله إِلَى قدر الله
فَهَذَا كَلَام رَسُول الله وَكَلَام صَاحبه صَرِيح أَن السَّبَب والمسبب بِقدر الله تَعَالَى وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿وَقل اعْمَلُوا فسيرى الله عَمَلكُمْ وَرَسُوله﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الرُّسُل كلوا من الطَّيِّبَات وَاعْمَلُوا صَالحا﴾ والآيات فِي هَذَا كَثِيرَة وَقَالَ الإِمَام بن حزم ﵀ فِي الْملَل والنحل صَحَّ عَن رَسُول الله ﷺ تَصْحِيح الطِّبّ وَالْأَمر بالعلاج وَأَنه ﵇ قَالَ تداووا فَإِن الله تَعَالَى لم يخلق دَاء إِلَّا خلق لَهُ دَوَاء إِلَّا السأم والسأم الْمَوْت قَالَ فأعترض قوم فَقَالُوا قد سبق علم الله ﷿ بنهاية أجل الْمَرْء وَمُدَّة صِحَّته وَمُدَّة سقمه فَأَي معنى للعلاج قَالَ فَقُلْنَا لَهُم نسألكم هَذَا السُّؤَال نَفسه فِي جَمِيع مَا يتَصَرَّف فِيهِ النَّاس من الْأكل وَالشرب واللباس لطرد الْبرد وَالْحر وَالسَّعْي فِي المعاش بالحرث وَالْغَرْس وَالْقِيَام على الْمَاشِيَة والتحرف بِالتِّجَارَة والصناعة ونقول لَهُم قد سبق علم الله تَعَالَى بنهاية أجل الْمَرْء وَمُدَّة صِحَّته وَمُدَّة سقمه فَأَي معنى لكل مَا ذكرنَا فَلَا جَوَاب لَهُم إِلَّا أَن يَقُولُوا إِن علم الله تَعَالَى قد سبق أَيْضا بِمَا يكون من كل ذَلِك وبأنها أَسبَاب إِلَى بُلُوغ نِهَايَة الْعُمر الْمقدرَة فَنَقُول لَهُم وَهَكَذَا الطِّبّ قد سبق فِي علم الله تَعَالَى أَن هَذَا العليل يتداوى وَأَن تداويه سَبَب إِلَى بُلُوغ نِهَايَة أَجله فالعلل مقدرَة والزمانة مقدرَة وَالْمَوْت مُقَدّر والعلاج مُقَدّر وَلَا مرد لحكم الله ونافذ علمه فِي كل شَيْء من ذَلِك

1 / 24