فسألته باهتمام شديد: كيف كان ذلك يا بنامون؟ - أذكر يا سيدتي أن والدي ركب سما عجيبا، وكان يفاخر دائما بقوله: «إنه أفتك السموم جميعا، وإنه يقضي على ضحيته في ثوان معدودة.» وسماه لذلك «السم السعيد». وفي ليلة أسيفة قضى الليل كله في معمله يشتغل بلا انقطاع، وفي الصباح وجد ممددا على مقعده فاقد الروح، وإلى جانبه قارورة سم من ذاك السم الفاتك مفضوضة السداد. - يا للغرابة! .. هل انتحر؟ - من المحقق أنه تناول جرعة من السم الفاتك، ولكن ما الذي دفعه إلى الهلاك؟ .. لقد دفن سره معه، واعتقدنا جميعا أن روحا شيطانيا تلبسه، فأضلته الحكمة فأتى فعلته في حالة إعياء وذهول وفجع أسرتنا جميعا.
واكتسى وجهه بحزن عميق وانحنى رأسه على صدره. فأسفت رادوبيس على إثارتها هذا الموضوع الأليم وسألته: وهل أمك على قيد الحياة؟ - نعم يا سيدتي، وهي تعيش بقصرنا في أمبوس. أما معمل والدي فلم يلج بابه إنسان منذ تلك الليلة.
وعادت المرأة وهي تفكر في موت الطبيب بسار الغريب وفي سمومه المودعة المعمل المغلق.
وكان بنامون الإنسان الوحيد الغريب الذي يلوح في أفقها الهادئ المنطوي على الحب والطمأنينة؛ وكان الوحيد كذلك الذي ينتهب من وقتها الموهوب للحب ساعة كل صباح. على أنه لم يضايقها قط لأنه كان أرق من الطيف. ومضت الأيام وهي مغرقة في الهوى وهو منكب على عمله، وحياة الفن العالية تدب في جدران الحجرة الصيفية.
وكان يسرها أن ترقب يده وهي تبث في الحجرة روحا من جمالها الرائع. وقد اقتنعت بمقدرته الفائقة، ووقر في نفسها أنه سيخلف المثال هنفر في مستقبل قريب. وقد سألته يوما وهي تهم بمغادرة الغرفة بعد جلسة ساعة: ألا يلحقك التعب أو السأم؟
فابتسم الغلام بفخار وقال: هيهات. - كأنك تندفع بقوة شيطان.
فأشرق وجهه الأسمر بابتسامة وامضة، وقال بهدوء وسذاجة: بل بقوة الحب.
وارتجف قلبها لوقع هذه الكلمة التي توقظ في قلبها أشهى الذكريات، وتنادى إلى مخيلتها صورة حبيبة محاطة بالبهاء والجلال، ولم يكن يدرك شيئا مما يقوم في نفسها، فاستدرك قائلا: ألا تعلمين يا سيدتي أن الفن هوى؟ - حقا؟!
فأشار إلى أعلى جبينها الذي وضح رسمه على الجدران، وقال: هاك نفسي خالصة.
وكانت قد ملكت عواطفها، فقالت بسخرية: يا لها من حجر أصم! - كانت حجرا قبل أن تمسها يداي، أما اليوم فهي نفسي.
Page inconnue