إذا كان هؤلاء الخلفاء قد انعقد لهم أعظم المجد، المجد الخالد على الدهر، فلأنهم لم يريدوه ولم يسعوا إليه، ولم يشغل هو جزءا من نفوسهم جليلا ولا دقيقا!
وبعد، فلا أشك أن مما أصفاهم لطلب النفع العام، وتجافى بهم عن الاستئثار حتى بالنفع الخاص هو طول الذكر بالموت، وكيف لهم بنسيانه وهذه الشمس العظيمة، باعثة الحياة والحركة في العالم تموت كل يوم بمرأى منهم بعد أقوى الحياة، ولكل شيء نهاية ولكل سائلة قرار!
وإذا كانت الشمس تعود كل يوم فتوالي سعيها في النفع والتجديد والإحياء، فإن زعيما لن يعود بعد موته، ولو لإصلاح ما عسى أن يكون قد أفسد وتعمير ما عسى أن يكون قد خرب، فما له بعد الموت بالأمر يدان.
هذا بعض ما يلهمه حديث الهجرة، وإن فيه لعبرة.
أسعفوا التاريخ
ليت شعري - لو سألت - بعد عشر سنين مثلا شابا ممن سينضحهم العصر يومئذ، بل لو سألت اليوم شابا ممن هم في الثلاثين فما دون، أن يجلو عليك صورة من الحياة المصرية، وأعني حياة المدن قبل ثلاثين سنة فقط، فكيف تراه يقول؟
أخشى ألا يقول شيئا قط؛ لأنه لا يكاد يعرف منها شيئا قط!
لقد حالت الكثرة الكثيرة من أساليب حياتنا في هذه المدة القصيرة بسرعة لا أحسبها كانت مما يدخل في حساب مؤرخ ولا عالم اجتماعي، ولا غير هذين من سائر المفكرين وبحسب المرء منا أن يلتفت بالذاكرة إلى ما قبل أربعين سنة خلت أو ثلاثين، ويقلبها في نواحي حياتنا لترجع إليه بصفة قوم غير القوم، وناس لا يكاد يرتبطهم شبه بهذا الناس!
لقد تغيرنا سريعا جدا في أخلاقنا، وآدابنا، وأسلوب سكنانا، وطعامنا، ولبسنا، وسمرنا؛ ولهونا، وغنائنا، وزواجنا، وأعراسنا، ومآتمنا، وسائر أسبابنا، فلم يبق ثابتا من ذلك فينا إلا الأقل من القليل، ولا شك أنه كذلك في طريق التطور والتحوير.
وكذلك تختفي من الوجود صورة أمة؛ لتحل في موضعها صورة أخرى إذا قدر لحياتنا قرار قريب.
Page inconnue