Nourriture des Coeurs
قوت القلوب
Chercheur
د. عاصم إبراهيم الكيالي
Maison d'édition
دار الكتب العلمية - بيروت
Numéro d'édition
الثانية
Année de publication
١٤٢٦ هـ -٢٠٠٥ م
Lieu d'édition
لبنان
عليك الخطأ ولا تكلم فيما يعنيك حتى ترى له موضعًا فرب متكلّم فيما يعنيه قد وضعه في غير موضعه فعنت.
وروي في حديث الأنصاري الذي قالت له أمه عند موته: هنيئًا لك الجنة جاهدت مع رسول الله ﷺ وقتلت في سبيل الله تعالى فقال رسول الله ﷺ: وما يدريك أنه في الجنة ولعله كان يتكلم فيما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه، ومن أظهر علمًا من غير أن يسأل عنه ونشره في غير أهله فأنكر عليه سئل عنه وكان عليه فيه مطالبة لأنه قد تكلف إظهاره فإن كان سئل عنه ثم تكلم فيه لم يكن عليه فيه مطالبة فيمن أنكر لأنه خرج جوابًا على سؤال، ومن هذا كان السلف المتكلمون في هذا العلم يسكتون حتى يسألوا عنه، وكان أبو محمد يقول: العالم يقعد فيسكت ويرفع قلبه إلى مولاه فيفتقر إليه في حسن توفيقه ويسأله أن يلهمه الصواب فأي شيء سئل عنه تكلم بما فتح له مولاه فجعل العالم في حالة سكوته ونظره إلى سيده محتاجًا إلى التوكل ومنتظرًا للوكيل في أي شيء يجريه، وقال بعضهم: إنما العالم الذي إذا سئل عن المسألة كأنما تقلع ضرسه وقال رقبة بن مصقلة وغيره ليس العالم الذي يجمع الناس فيقصّ عليهم إنما العالم الذي إذا سئل عن العلم كأنما يسعط الخردل، وقد روينا أنه قاله الأعمش وقد كان محمد بن سوقة يسأله عن الحديث فيعرض عنه ولا يجيبه فالتفت الأعمش إلى رقبة فقال له هو إذًا أحمق مثلك إن كان يدع فائدته لسوء خلقي فقال محمد بن سوقة: ويحك إنما أجعله بمنزلة الدواء أصبر على مرارته لما أرجو من منفعته، وقد روينا عن علي وابن مسعود ﵄ أنه مر برجل يتكلم على الناس فقال هذا يقول اعرفوني، وحدثني بعض علماء خراسان عن شيخ له عن أبي حفص النيسابوري الكبير، وكان هذا هناك نظير الجنيد ههنا أنه قال إنما العالم الذي يسأل عن مسألة في الدين فيغتم حتى لو جرح لم يخرج منه دم من الفزع يخاف أن يسأل في الآخرة عما سئل عنه في الدنيا ويفزع أن لا يتخلص من السؤال إلا أن يرى أنه قد افترض عليه الجواب لفقد العلماء، ومن ههنا كان ابن عمر ﵄ يسكت عن تسع مسائل ويجيب عن واحدة ويقول: تريدون أن تجعلونا جسرًا تعبرون عليه في جهنهم، تقولون أفتانا ابن عمر بهذا، وكان إبراهيم التميمي إذا سئل عن مسألة يبكي ويقول: لم تجد من تسأله غيري أو احتجتم إليّ؟ قال: وجهدنا بإبراهيم النخعي أن نسنده إلى سارية فأبى وكان إذا سئل عن شيء بكى وقال: قد احتاج الناس إليّ وقد كان سفيان بن عيينة تفرد في زمانه بعلوم انفرد بها في وقته وكان مع ذلك يضرب المثل لنفسه ويقول:
خلت الديار فسدت غير مسوّد ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد
وأما أبو العالية الرياحي فكان يتكلم على الاثنين والثلاثة فإذا صاروا أربعة قام، وكذلك كان إبراهيم والثوري وابن أدهم رحمهم الله تعالى يتكلمون على النفر فإذا كثر
1 / 266