قال حافظ عفيفي بصوته الهادئ: الدكتور هيكل غائب هذه الليلة، وسأرتب معه لقاء بكم، لكني أحب أن أوجهكم منذ الآن بنصيحة: إن جريدة السياسة - كما أرجح - ستقبل تدريبكم كما تريدون، لكن فلتعلموا منذ الآن أن الصحافة لم تعد كلاما يستقطع من رءوس الكتاب بغير اطلاع ولا دراسة؛ فمهما يكن الموضوع الذي قد يرد على خواطركم لتكتبوا فيه، فسوف تجدونه موضوعا قد سبقكم إلى الكتابة فيه من هو أعلم منكم وأوفى بحثا ودراسة. وإذن، فالنصيحة الواحدة التي سأكتفي بها الآن هي: ألا كتابة بغير درس وقراءة تسبقها.
شكرناه على عطفه الأبوي، وانصرفنا على أن نعود في مثل هذا الوقت من الليلة التالية. ففعلنا، وكان الدكتور هيكل عندئذ في مكتبه، وكان قد سمع بأمرنا، فلم يسأل: ماذا تريدون؟ لأنه يعلم ما نريد، بل أخذ يوزعنا من فوره على أقسام الجريدة؛ فاذهب أنت إلى فلان في القسم الفلاني، واذهب أنت إلى فلان في الغرفة الفلانية ، واذهب أنت إلى مصححي التجارب في المكان الفلاني ... ثم أردف يقول: إن أماكنكم هذه ستتبدل مرة كل أسبوعين.
لكن الأسبوعين الأولين لم ينقضيا، حتى دعانا الدكتور هيكل لتناول الشاي ذات مساء في داره - وكانت عندئذ شقة من عمارة في جاردن سيتي - وقولوا ما شئتم عن مشاعر الغبطة التي ملأتنا. وذهبنا في الموعد لنستوي بعد قليل إلى مائدة مثقلة بأصناف الفطائر والفاكهة إلى جانب الشاي، وبدأ الدكتور هيكل حديثه معنا قائلا: لقد فكرت في أفضل طريقة يستفاد بها من ميولكم الأدبية، فوجدت أن تعاونوني على إخراج كتيبات صغيرة تباع مع الصحف بأثمان رخيصة، كل كتيب منها يبسط موضوعا مما يتصل بتاريخنا وأدبنا، وبخاصة القديم منها، حتى نذيع أصولنا الثقافية في أوسع دائرة ممكنة، وسأخصص لكل منكم موضوعا، يجمع لي ما استطاع جمعه من مادة فيه ومهمتي أنا هي الإخراج والخلق والصياغة، فما رأيكم؟ - رأينا هو ما ترى.
وأذكر أن نصيبي في هذا التوزيع كان موضوع «سميراميس» كما ورد في الأساطير. وبعد عدة أسابيع من تجميع للمادة والتقاء مع الدكتور هيكل كلما تجمع لدينا من المادة ما يستحق العرض، صدر الكتيب الأول، ولا أذكر ماذا كان موضوعه.
وبيع عند باعة الصحف، وكان أول همنا نحن أن نسرع لنرى كيف ورد ذكرنا في هذا المشروع، وأظن - لأني قد نسيت - أننا لم نذكر بالاسم، بل وردت في المقدمة عبارة تنوه بجماعة من الطلاب يعاونون في جمع المادة من المراجع. ولا أدري إن كان شعورنا بخيبة الأمل، أو كان اقتراب موعد الامتحان في آخر العام الدراسي، هو الذي حتم علينا أن ننفض أيدينا، وبذلك انتهى الأمر مؤقتا؛ وأعني أن ذلك المشروع المعين قد أخفق لساعته، وأما النشر الأدبي في الصحف فقد لبث قائما في صدري، حتى ألح علي آخر الأمر فجعلته مدار عملي.
فرغ الأحدب من هذه الرواية الطويلة، وكأنما أحس بشيء من التعب، فأسند ظهره إلى مقعده، ونظر إلي نظرة تكاد تسألني: ماذا تريد مني بعد ذلك؟
سألته: وماذا جرى للجمعية الأدبية بعدئذ؟
فقال : مات أمين الصندوق بعد بدء تكوينها بشهور قليلة، وانقطع بموته دفع الاشتراك، وأصبحت كما كانت في البداية مجموعة أفراد أصدقاء، ضمن المجموعة الأشمل، يلتقون حيثما تيسر لهم اللقاء ... وأما المكتبة التي أردنا تكوينها، فلم يدخلها إلا كتاب واحد، هو «عصر المأمون»، ولا أدري إلى أينا ذهب.
وبابتسامة خفيفة على شفتيه، استأنف الأحدب حديثه عن جماعة الأصدقاء في تلك السنوات الأربع من حياته، قال: لا تنس ما قلته لك، وهو أن تلك الجمعية الأدبية لم تكن تمثل بميولها الثقافية مجموعة الأصدقاء التي تحدثت عنها؛ فمن تلك المجموعة من كاد لا يعرف من معارف الدنيا حرفا أكثر مما ورد في مذكراته التي يحفظها للامتحان؛ ومنهم من كان أقرب في ميوله إلى الفجور الذي لا يستحي؛ ومنهم من كان يؤثر الخفاء في وسائل متعته؛ لكن جميعنا كان يحب النكتة والمرح وحلقات السمر، والحقيقة أن تنوع ميولنا ذاك هو الذي ربط أطرافنا في مجموعة متجاذبة؛ لأن كلا منا كان لا بد واجدا ما يشبع فطرته بكل أبعادها داخل تلك المجموعة النادرة من الأصدقاء.
ففضلا عما كان بين أفرادها من رباط مشترك، هو كما قلت لك التواضع الاجتماعي، ممزوجا بكثير جدا من الفكاهة والمرح، حتى لقد كانوا يجعلون من أنفسهم موضوعا لفكاهتهم بل موضوعا لسخريتهم أحيانا؛ أقول: إنه فضلا عن تلك الصفات المشتركة بينهم، فقد كانت بينهم بعد ذلك فوارق شاسعة كما ذكرت لك، هذه التشكيلة العجيبة هي التي تكون منها المحيط البشري المباشر الذي هو بمثابة المجتمع بكل ما يعطيه لأبنائه من حوافز ومن معوقات.
Page inconnue