نزول القران الكريم وتاريخه وما يتعلق به
نزول القران الكريم وتاريخه وما يتعلق به
Maison d'édition
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة
Genres
عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي ﷺ قال القرطبي١: "لأن الأمة ﵂ لم تزل تنقل القرآن خلفًا عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي ﵊، المعلوم وجوده بالضرورة وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل ﵇ عن ربه ﷿، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه لكثرة العدد، ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد ﷺ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به، فالقرآن معجزة نبينا ﷺ الباقية بعده إلى يوم القيامة مع أن معجزة كل نبي انقرضت بانقراضه أو دخلها التبديل كالتوراة والإنجيل، فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي ﷺ تقوله أنزل الله تحديًا لهم قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فلْيأْتوا فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٣-٣٤) ثم تحدّاهم وأنزل تعجيزًا أبلغ من ذلك فقال ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ١٣) . فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار فقال جل ذكره ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) . فأفحموا عن الجواب وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب والعناد وآثروا سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا وأبلغ في الحجة وأشد تأثيرًا مع كونهم أرباب البلاغة وعنهم تؤخذ الفصاحة.
واعلم أن القرآن نفسه هو المعجز بألفاظه ومعانيه لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، وما قاله النظام ومن
_________
١-ج١ ص ٧٢.
1 / 8