610

اعترض بأنكم جعلتم الكيف ما لا يوجب تصوره تصور غيره ، وهيئة التربيع يوجب تصورها تصور غيرها ، فإن تلك الهيئة لا يمكن أن تتصور إلا عند تصور النسب التي بين أطراف المربع التي لا تعقل إلا بعد تعقل أطراف السطح التي لا تعقل إلا بعد تعقل السطح ، فتعقل هيئة التربيع يتوقف على تعقل هذه الأمور ، فكيف تدخل في مقولة الكيف.

ثم قولكم «الوضع إنما يحصل بسبب نسبة الأجزاء ، والشكل إنما يحصل بسبب نسبة الأطراف ، والأطراف ليست أجزاء» ضعيف ، لأنا إذا قلنا : الوضع هو الهيئة الحاصلة للجسم بسبب نسب الأمور المتباينة الجهة التي هي فيه ، دخل فيه الشكل ؛ لأن الأمور المتباينة الجهة التي في الجسم قد تكون أجزاء للجسم ، وقد تكون أطرافا له. فإذن الهيئة الحاصلة بسبب نسبة الحدود داخلة في الوضع.

وقولهم : «الوضع هو الذي يتوقف على حصول النسب التي بين أجزاء الشيء ، وبين أمور خارجية منها» ، فنقول : كل ما يتوقف تحققه على حصول نسب بين أجزاء الشيء وبين أطرافه فذلك من الوضع. وهو على قسمين : منه ما يكفي في تحققه النسب التي بين أجزائه كالتربيع والتثليث. ومنه ما لا بد مع ذلك من اعتبار النسب التي بين تلك الأجزاء والأمور الخارجة عنها كالجلوس والسجود ، فإذن الشكل من باب الوضع.

وفيه نظر ، فإنه كما أن من الكيفيات المحسوسة ما هو بسيط كالسواد والبياض والحرارة والبرودة ، وما هو مركب كالغبرة والقتورة ، كذا من الأشكال ما هو بسيط كالكرية ، ومركب كالتربيع ، فإن هيئة التربيع لما توقف تعريفها على معرفة الحدود الأربعة التي تركبت هيئة التربيع من هيئاتها ، وجب أخذ محالها في تعقلها قائمة بها ، ولم يخرجها ذلك عن مقولتها المندرجة تحتها. وهيئة التربيع إنما يتوقف تصورها على تصور محلها لا غير. وتبديل الأجزاء في الوضع بالأمور المتباينة الجهة يخرج الوضع المصطلح عليه الذي يقع البحث فيه عن حقيقته ويبقى

Page 617