L'ivresse de l'ivrogne des clartés du souvenir des gazelles

نشوة السكران من صهباء تذكار الغزلان

Maison d'édition

المطبعة الرحمانية بمصر

Édition

الأولى

Année de publication

١٣٣٨ هـ - ١٩٢٠ م

نشوة السكران
بسم الله الرحمن الرحيم نحمد من زين رياض الوجوه بنرجس اللحاظ وورد الخدود، وأثمر أغصان القدود برمان النهود، حمد من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، وسيب بذكر محبوبه إن كان تهاميا في حجاز أو شاميا في نوى، ونصلي ونسلم على من حث على تهذيب النفس الأبية، عن الرذائل الدنية، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الذين يحبهم ويحبونه، ويقفون عند ما أمرهم ولا يتعدونه، ما ذر شارق، وهام عاشق.
وبعد؛ فهذا بيان العشق والعشاق والمعشوقات من النسوان، وما يتصل بذلك من تطورات الصبوة والهيمان، الذي أفصح به أصحاب "ديوان الصبابة"، "وتزيين الأسواق" "وسبحة المرجان"، لخصته منها حلية للآذان، وأتيت فيه بأشياء مما يزري بأريج الريحان، وسميته: "نشوة السكران، من صهباء تذكار الغزلان"، ورتبته على مقدمة، وفصول، وخاتمة.

1 / 2

مقدمة في ذكر العشق واسمه وما جاء في حده ورسمه
اعلم أن العشق طمع يتولد في القلب، ويتحرك وينمو، ثم يتربى، وتجتمع إليه مواد من الحرص، وكلما قوي زاد صاحبه في الاهتياج واللجاج، والتمادي في الطمع والفكر والأماني، والحرص على الطلب، حتى يؤديه ذلك إلى الغم المقلق، ويكون احتراق الدم عند ذلك باستحالة السواد، أو التهاب الصفراء وانقلابها إليها، ومن طبع السواد إفساد الفكر، ومع فساد الفكر يكون زوال العقل ورجاء ما لا يكون وتمني ما لا يتم، حتى يكون ذلك إلى الجنون، فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه، وربما مات غمًا، وربما نظر إلى معشوقه فمات فرحا، وربما شهق شهقة فتختنق روحه، فيبقى أربعا وعشرين ساعة، فيظنون أنه مات، فيدفنونه وهو حي، وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه، وينضم عليها القلب ولا ينفرج حتى يموت، وتراه إذا ذكر من يهواه هرب دمعه واستحال لونه. ذكره فيثاغورث الحكيم الذي أخذ عن أصحاب سليمان بن داود ﵉، على ما ذكره صاعد في كتاب "الطبقات". وقال تلميذه أفلاطون: هو قوة غريزية متولدة من وسواس الطمع

1 / 3

وأشباح التخيل، نام بنصال الهيكل الطبيعي، محدث للشجاع جبنا وللجبان شجاعة، يكسو كل إنسان عكس طباعه حتى يبلغ به المرض النفساني والجنون الشوقي فيؤديانه إلى الداء العضال الذي لا دواء له. وقال تلميذه أرسطاطاليس: العشق عمى العاشق عن عيوب المعشوق. وهذا كقوله ﵌: "حبك الشيء يعمي ويصم".والذي مشى عليه أبو علي ابن سينا وغيره من الأطباء، أنه مرض وسواسي شبيه بالماليخوليا، يجلبه المرء إلى نفسه بتسلط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل، وقد تكون معه شهوة جماع وقد لا تكون. وقال سيد الطائفة الجنيد ﵀: العشق إلفة رحمانية وإلهام شوقي أوجبهما كرم الإله على كل ذي روح لتحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثلها إلا بتلك الإلفة وهي موجودة في الأنفس بقدر مراتبها عند أربابها، فما أحد إلا عاشق لأمر يستدل به على قدر طبقته من الخلق، ولأجل ذلك كان أشرف المراتب في الدنيا مراتب الذين زهدوا فيها مع كونها معاينة، ومالوا إلى الأخرى مع كونه مخبرا لهم عنها بصورة اللفظ. وقال الأصمعي: سألت أعرابية عن العشق فقالت: جل والله عن أن يرى، وخفي عن أبصار الورى، فهو في الصدور كامن ككمون النار في الحجر، إن قدحته أورى، وإن تركته توارى. وقال أبو وائل الأوضاحي: إن لم يكن طرفا من الجنون فهو عصارة من السحر. وقالت أعرابية: هو تحريك الساكن، وتسكين المتحرك.

1 / 4

وقال ثمامة: العشق جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مالك، وملك قاهر، ملك مسالكه لطيفة، ومذاهبه غامضة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآرائها، قد أعطي عنان طاعتها، وقوة تصرفها، وقياد ملكها، وتوارى عن الأبصار مدخله، وعمي عن القلوب مسلكه. وقال بعضهم: مجهول لا يعرف، ومعروف لا يجهل، هزله جد، وجده هزل. وما أحسن قول الشاعر:
يقول أناس لو نعت لنا الهوى ... ووالله ما أدري لهم كيف أنعت
فليس لشيء منه حد أحده ... وليس لشيء منه وقت موقت
قال في "تزيين الأسواق": العشق يختلف باختلاف المزاج على أنحاء أربعة: سريع التعلق والزوال كما في الصفراويين، وعكسه كما في السوداويين، وسريع التعلق بطيء الزوال كما في الدمويين، وعكسه كما في البلغميين. عن ابن عباس، رفعه، قال: "من عشق فعف فمات دخل الجنة". زاد الخطيب عنه: "فظفر" ثم أبدل قوله: "دخل الجنة" بقوله "مات شهيدا" وفي أخرى: "وكتم"، والحديث بسائر ما ذكر صححه مغلطاي وأعله البيهقي والجرجاني والحاكم في "التاريخ" بضعف سويد وتفرده به، ورواه ابن الجوزي مرفوعًا، وأبو محمد بن الحسين موقوفا، وأخرجه الخطيب عن عائشة مرفوعا أيضا، وضعفه

1 / 5

الحافظ بن القيم في "الهدي" بجميع طرقه، وأظن أنه الصواب، وإن تضمنه الأكابر في أشعارهم. وفي أثر ابن عباس أيضا: "الهوى إله معبود". وعن الغزي، قال: رأيت عاشقين اجتمعا، فتحدثا من أول الليل إلى الغداة، ثم قاما إلى الصلاة. ووردت أحاديث كثيرة في العشق مع العفة. قيل لعذري: أتعدون موتكم في الحب مزية، وهو من ضعف البنية، ووهن العقل، وضيق الرئة؟ فقال: أما والله لو رأيتم المحاجر البلج، ترشق بالعيون الدعج، من تحت الحواجب الزج، والشفاه السمر، تبسم عن الثنايا الغر، كأنها شذر الدر، لجعلتموها اللات والعزى وتركتم الإسلام وراء ظهوركم. وبنو عذرة مختصون بمزية الحب وإيثار العشق، ولا تضرب الأمثال إلا بهم. وقال بعض حكماء الهند: ما علق العشق بأحد عندنا إلا وعزينا أهله فيه. وحكى الحافظ مغلطاي: إن العشق يختلف باختلاف أصحابه، فإن الغرام أشد ما يكون مع الفراغ وتكرار التردد إلى المعشوق والعجز عن الوصول إليه، فعلى هذا يكون أخف الناس عشقا الملوك، ثم من دونهم، لاشتغالهم بتدبير الملك وقدرتهم على مرادهم، ولكن قد يتذللون للمحبوب بما في ذلك من مزيد اللذة، ودونهم أفرغ لقلة الاشتغال، حتى يكون المفترغ له بالذات أهل البادية لعدم اشتغالهم بعوائق، ومن ثم هم أكثر الناس موتا به. ونقل ابن خلكان في ترجمة العلاف: إن العشق جرعة من حياض

1 / 6

الموت، وبقعة من رياض الثكل، لكنه لا يكون إلا عن أريحية في الطبع ولطافة في الشمائل، وجود لا يتفق معه منع، وميل لا ينفع فيه عذل. ووجد على صخرة: العشق ملك غشوم، ومسلط مظلوم، دانت له القلوب، وانقادت له الألباب، وخضعت له النفوس، فالعقل أسيره، والنظر رسوله، واللحظ عامله، والتفكير جاسوسه، والشغف حاجبه، والهيمان نائبه، بحر مستقر غامض، ويم تياره طافح فائض، وهو دقيق المسلك، عسير المخرج.

1 / 7

مبحث في أسباب العشق وعلاماته
قال بعض الأطباء: سببه النفساني الاستحسان والفكر، وسببه البدني ارتفاع بخار رديء إلى الدماغ عن مني محتقن، ولذلك أكثر ما يعتري العزاب، وكثرة الجماع تزيله بسرعة، وعلامته: نحافة البدن، وخلاء الجفن للسهر، وكثرة صعود الأبخرة، وغؤور العين وجفافها إلا عند البكاء، وحركة الجفن ضاحكة كأنه ينظر إلى شيء لذيذ، ونفس كثير الانقطاع والاسترداد والصعداء، ونبض غير منتظم، ولاسيما عند ذكر أسماء وصفات مختلفة، وتغير اللون وتنفس الصعداء. قال ارسطاطاليس: للعشق من النجوم زحل وعطارد والزهرة جميعا. فزحل يهيئ الفكرة والتمني والطمع والهم والهيجان والأحزان والوساوس والجنون، وعطارد يهيئ قول الشعر ونظم الرسائل والملق والخلاعة، وتنميق الكلام، وتليين المرام، والتذلل والتلطف، والزهرة تهيئ للعشق والوله والهيمان، والرقة والتلذذ بالنظر، والمؤانسة بالحديث، والمغازلة الباحثة على الشبق والغلمة، والميل إلى الطرب وسماع الأغاني وما شابهه. ومن علاماته: إغضاء المحب عند نظر محبوبه إليه، ورميه بطرفه نحو الأرض من مهابته له، وحياؤه منه، وعظمته في صدره، واضطراب يبدو للمحب عند رؤية من يشبه محبوبه، أو عند سماع اسمه، وحب أهله وقرابته وغلمانه وجيرانه وساكني بلده، وكثرة غيرته

1 / 8

عليه، ومحبة القتل والموت ليبلغ رضاه، والإنصات لحديثه إذا حدث، واستغراب كل ما يأتي به ولو أنه عين المحال، وتصديقه وإن كذب، وموافقته وإن ظلم، والشهادة له وإن جار، وإتباعه كيف يسلك، والإسراع بالسير نحو المكان الذي يكون فيه، والتعمد للقعود بقربه، والدنو منه، وإطراح الأشغال الشاغلة عنه، والزهد فيها، والرغبة عنها، والاستهانة بكل خطب جليل داع إلى فراقه، والتباطؤ في المشي عند القيام عند وجوده بكل ما يقدر عليه مما كان يتمتع به قبل ذلك حتى كأنه هو الموهوب له، وهذا كله قبل استعار نار الحب، فإذا تمكن أعرض عن ذلك كله وبدله عن ذلك كله وبدله سؤالا وتضرعا كأنه يأخذه من المحبوب، حتى أنه يبذل نفسه دون محبوبه، كما كانت الصحابة رضي الله تعالى عنهم يفدون النبي ﵌ في الحرب بنفوسهم حتى يصرعوا حوله. ومنها: الانبساط الكثير الزائد، والتضايق في المكان الواسع، والمحاربة على الشيء يأخذه أحدهما، وكثرة الغمز الخفي، وكثرة التمطي والتكسل إذا نظر إلى محبوبه، إلى غير ذلك مما لا يحصى. فهو ألطف موجود نشأ في الوجود، وأعز مقصد لذي الهجود. وقال المعلم: العشق نصف الأمراض، وشطر الأعراض، وقسيم الأقسام، وجل الآلام. وله مراتب سبعة تدريجية ذكرها داود الأنطاكي، ولو منح الله شخصا مددا يستغرق المدد، وحياة تستفرغ الأبد، وفراغا يذر الشواغل سدى، ونفحات قدسية تصقل مرآة عقله لقبوله الفيض أبدا، وأفرغ ذلك

1 / 9

كله في تحرير ما أودعه عمر بن الفارض من مراتب العشق وأدواره، وتنقلاته وأطواره، لفني الزمان ولم يدرك معشاره، وبادت الأكوان ولم يعرف قراره، ولولا ضيق عطن هذا المختصر، لأوضحت لك من بعض تدقيقاته في أقل كلماته ما يدعك في حيرة الفكر، وببحار العجب غارقا، ويسكتك وإن كنت مصعقًا ناطقًا.
مبحث في مراتب العشق وأسمائه وصفاته
فأول مراتبه: الهوى: وهو: ميل النفس، وقد يراد به نفس المحبوب.
ثم العلاقة: وهي: الحب اللازم للقلب.
ثم الكلف: وهو: شدة الحب، وأصله من الكلفة، وهي: المشقة. وقيل: هو مأخوذ من الأثر، وهو شيء يعلو الوجه كالسمسم. والكلف أيضا: لون بين السواد والحمرة، وهي حمرة كدرة.
ثم العشق: وهو: اسم لما فضل عن المقدار الذي اسمه الحب، قال في "الصحاح": هو فرط الحب. وهو أمر هذه الأسماء، وقلما نطقت به العرب، وكأنهم ستروا اسمه وكنوا عنه بهذه الأسماء، ولا تكاد تجده في شعرهم القديم وإنما ولع به المتأخرون. ولم يقع هذا اللفظ في الكتاب العزيز والسنة المطهرة، إلا في حديث سويد بن سعيد.
ثم الشغف: قال العزيزي في "غريب القرآن": (شغفها حبا) [يوسف:٣٠] أصاب حبه شغاف قلبها، وهو الغلاف، أو حبة القلب، وهي علقة سوداء في صميمه، و(شغفها حبًا) ارتفع

1 / 10

حبه إلى أعلى موضع في قلبها، مشتق من شغاف الجبال، أي: رؤوسها، وقولهم: فلان مشغوف بفلانة، أي ذهب به الحب أقصى المذاهب.
والشغف: بالمهملة: إحراق الحب للقلب، وقد قرئ بهما جميعًا.
ومثله في الإحراق اللوعة واللاعج، فهذا هو الهوى المحرق.
ثم الجوى: وهو: الهوى الباطن، قال الجوهري: الجوى: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن.
ثم التتيم: وهو: أن يستبعده الحب، منه سمي تيم الله، أي: عبد الله.
ثم التبل: وهو: أن يسقمه الهوى، وفي "الصحاح": تبلهم الدهر وأتبلهم: إذا أفناهم.
ثم التدله: وهو: ذهاب العقل من الهوى، ويقال: دلهه الحب، أي حيره.
ثم الهيام: وهو: أن يذهب على وجهه لغلبة الهوى عليه.
ثم الصبابة: وهي: رقة الشوق وحرارته.
والمقة: المحبة.
والوامق: المحب.
والوجد: الحب الذي يتبعه الحزن.
والدنف: لا تكاد تستعمله العرب في الحب، وإنما ولع به المتأخرون، وإنما استعملته العرب في المرض.
والشجو: حب يتبعه هم وحزن.
والشوق: سفر القلب إلى المحبوب. قال الجوهري: الشوق والاشتياق نزاع النفس إلى الشيء. وقد جاء في السنة: "وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم، والشوق إلى لقاءك". واختلف فيه: هل يزول بالوصال أو يزيد؟.
والبلبال: الهم ووسواس الصدور، والبلابل جمع بلبلة، يقال بلابل الشوق، وهي وساوسه.
والتباريح: الشدائد والدواهي، يقال برح به الحب والشوق، إذا أصابه منه البرح، وهو: الشدة.
والغمرة: ما يغمر القلب من حب أن سكر أو

1 / 11

L'ivresse de l'ivrogne des clartés du souvenir des gazelles | Usul