La Naissance de la philosophie scientifique
نشأة الفلسفة العلمية
Genres
على أن مما يخفف من تأثير امتناع الفلسفة العلمية عن تقديم نصائح أخلاقية، أن هذه الفلسفة تشجع على استخدام التفكير المعرفي في دراسة العلاقات بين مختلف الغايات الأخلاقية؛ فعلاقات اللزوم بين الغايات والوسائل، وبين الغايات الأولية والثانوية، ذات طبيعة معرفية، وينبغي ألا ينسى المرء أن هذه الحقيقة تؤدي إلى تسوية قدر كبير من الخلافات الأخلاقية. فمعظم القرارات التي نواجهها لا تتعلق بغايات أولية، وإنما بغايات ثانوية، وكل ما نحتاج إليه هو تحليل الدور الذي سيؤديه القرار موضوع البحث في تحقيق غاية أساسية معينة. وتكاد القرارات السياسية أن تكون لها تقريبا من هذا النوع. مثال ذلك أن مسألة ضرورة تحديد الحكومة للأسعار هي مسألة يجاب عليها بالتحليل الاقتصادي ، أما الغاية الأخلاقية المتعلقة بإنتاج أكبر قدر ممكن من السلع بأقل سعر ممكن فليست في هذه الحالة موضوع بحث، غير أن الفيلسوف العلمي حين يصنف علاقات اللزوم الأخلاقية بأنها معرفية، يستبعد مناقشة هذه العلاقات من مجال الفلسفة، ويجعل لها مكانا داخل العلوم الاجتماعية. فالتحليل المنطقي للأخلاق، شأنها شأن علم الفيزياء، يدل على أن كثيرا من المسائل التي كانت تعد فلسفية ينبغي أن يجيب عنها العلم التجريبي. وأن تاريخ الفلسفة ليثبت مرارا وتكرارا أن الأسئلة التي توجه إلى الفيلسوف تنتقل إلى العالم، وفي هذه الحالة لا بد أن تصبح الإجابة أعمق وأقوى ضمانا. وعلى من يلتمسون لدى الفيلسوف توجيها في الحياة أن يشكروه إذا أحالهم إلى عالم النفس أو العالم الاجتماعي؛ إذ إن المعرفة المكتسبة في هذين العلمين التجريبيين تبشر بتقديم إجابات أفضل بكثير من تلك التي تكدست في كتابات الفلاسفة. فكثيرا ما تكون المذاهب الأخلاقية للفلسفة التأملية مبنية على الظروف النفسية والبناء الاجتماعي لعصور مضت، وهي - كالمذاهب النظرية - تعرض ما لا يعدو أن يكون نتاجا لمرحلة مؤقتة للمعرفة، على أنه نتائج فلسفية. أما الفيلسوف العلمي فيبتعد عن هذه الأخطاء؛ إذ يقصر الدور الذي يسهم به في الأخلاق على إيضاح تركيبها المنطقي.
وعلى الرغم من أن الفيلسوف العلمي يرفض تقديم النصح الأخلاقي، فإنه عند تنفيذه لبرنامجه يبدي استعداده لمناقشة طبيعة النصح الأخلاقي، وبالتالي للامتداد بطريقته في الإيضاح إلى دراسة الجائب المنطقي لهذا النشاط البشري. فمن الممكن تقديم النصح الأخلاقي على ثلاث صور. في الصورة الأولى يحاول مقدم النصح أن يقنع الشخص بقبول الغايات الأخلاقية التي يعدها مقدم النصح ذاته خيرا. وفي الصورة الثانية يسأل مقدم النصح الشخص الآخر عن غاياته، ثم ينبئه بالنتائج اللازمة التي تساعده على بلوغ غاياته. وفي الصورة الثالثة يكتسب مقدم النصح معلومات عن أهداف الشخص، لا عن طريق توجيه الأسئلة إليه، بل عن طريق ملاحظة سلوكه والاستدلال منه على الأهداف التي ينبغي أن يسعى إليها الشخص. وبعد ذلك يصوغ هذه الأهداف في ألفاظ، وينبئ الشخص، كما في الحالة السابقة، بالنتائج اللازمة لبلوغه هذه الأهداف.
ومن قبيل النوع الأول من النصح، ما يقدمه السياسيون وممثلو العقائد وغيرهم من دعاة أخلاق السلطة. أما في النوع الثاني، فإن مقدم النصح يقوم بوظيفة الباحث النفسي، كالمتخصص في التوجيه المهني، الذي يجيب على الأسئلة المتعلقة بالإعداد لمختلف المهن. وفي النوع الثالث يأخذ مقدم النصح على عاتقه مهمة تفسير سلوك المرء. فلما كان الناس لا يدركون أهدافهم، في كثير من الأحيان، بوضوح كامل، ويفعلون أمورا كثيرة دون تفكير في مقاصدهم، فإن مقدم النصح قد يتمكن أحيانا من أن ينبئ الشخص بما «يريده هو ذاته حقيقة». ومعنى ذلك أنه يستطيع تقديم تفسير متسق لسلوك الشخص، ويشجعه على أن يرغب صراحة في شيء لم يكن يرغب فيه حتى ذلك الحين على نحو صريح. وعلى هذا النحو يمكن أن يكون مقدم النصح ذا تأثير هائل في التكوين النفسي للشخص، ويساعده على إيضاح رغباته، وهي وظيفة مشابهة من بعض النواحي لإيضاح المعاني الذي يتم عن طريق التحليل المنطقي. هذا النوع من النصح هو أكثر الأنواع فعالية، وهو يقتضي مؤهلات رفيعة من مقدم النصح؛ إذ يتطلب فهما نفسيا، فضلا عن معرفة واسعة بالظروف الاجتماعية.
على أن العنصر الذاتي في النصح لا يظهر بوضوح إلا في النوع الأول، وإن كان هناك عادة عنصر ذاتي في النوعين الثاني والثالث بدورهما. فمقدم النصح لن يكون على استعداد لتعريف الشخص بوسائل بلوغ أهدافه إلا إذا كان يوافق على هذه الأهداف، إلى مدى معين على الأقل. مثال ذلك أن نصير الأخلاق الديمقراطية لن يستطيع تقديم النصح إلى حكومة شمولية حول طريقة تحقيقها لأهدافها، ما لم يكن قد «باع نفسه » وهو عمل يعده معظم الناس لا أخلاقيا. وعلى ذلك فإن النصح الأمين لا يمكن أبدا أن يكون موضوعيا خالصا، بل لا بد أن يكون مقدم النصح مشاركا بطريقة إيجابية في تكوين هذه الأهداف، وفاعلا أخلاقيا، وهو يقوم بدور تنفيذي إلى جانب الدور المعرفي في عمله.
وقد يقال أحيانا إن النصح موضوعي لأن متلقيه عندما يقبل النصيحة ويحققها في حياته الشخصية، يعترف في كثير من الأحيان بأنه أصبح يعرف الآن ما يريد، ويشعر بأنه أسعد مما كان من قبل. على أن مثل هذه النتيجة ليست دليلا على الموضوعية؛ ذلك لأن الشخصيات الإنسانية قابلة للتشكيل، وقد يخضع الشخص لتأثير مرشدين يوجهونه نحو أهداف مختلفة كل الاختلاف، ويظل مع ذلك يؤيد نصحهم بأن يحس أنه أصبح سعيدا وازداد استنارة. فكثيرا ما يكون أفراد المجتمع الشمولي مماثلين لأفراد المجتمع الديمقراطي في سعادتهم ووثوقهم بأنفسهم، ومع ذلك فهناك احتمال كبير في أن أحدا منهم لم يكن ليقبل الأهداف المضادة لو كان قد نشأ في البيئة المناظرة. يمكن تبرير النصح الأخلاقي على أساس نجاحه النفسي. وعلى مقدم النصح أن يعلم أنه يحض الشخص الآخر على القيام بشيء يمده مقدم النصح ذاته صوابا، وأن المسئولية إنما تقع على عاتق مقدم النصح، وأنه لا مفر من التزام المرء برغباته الإرادية الخاصة في الأخلاق الموضوعية، وهي الرغبات التي تتكشف من خلال الدراسات النفسية للسلوك البشري. ففي استطاعة علم النفس أن ينبئنا بما يريده الناس، ولكنه لا يستطيع أن ينبئنا بما ينبغي أن يريده الناس، إذا فهمت كلمة «ينبغي» بمعنى غير لزومي - كما أن كلمة «ينبغي» بمعناها اللزومي لا يمكن أن تؤدي إلى قيام أخلاق موضوعية؛ لأنها لا تستطيع إثبات الأهداف الأولية.
والواقع أن الحل الذي تقدمه الفلسفة العلمية لمشكلة الأخلاق يشبه في نواح متعددة الحل الذي توصلت إليه بالنسبة إلى مشكلة الهندسة. وقد أوضحنا هذا الحل في الفصل الثامن؛ فعلى حين أن الرياضيين القدماء كانوا ينظرون إلى الهندسة بأسرها على أنها ضرورة رياضية، فإن الرياضيين اليوم يقصرون الطابع الضروري على علاقات اللزوم بين البديهيات والنظريات، ويستبعدون البديهيات ذاتها من مجال التأكيدات الرياضية. وبالمثل فإن الفيلسوف العلمي يفرق بين البديهيات أو المقدمات الأخلاقية، وبين علاقات اللزوم الأخلاقية، ويرى أن هذه الأخيرة هي وحدها التي يمكن البرهنة عليها منطقيا. ومع ذلك فهناك فارق أساسي. فمن الممكن أن تصبح بديهيات الهندسة قضايا صحيحة إذا نظر إليها على أنها قضايا فيزيائية، مبنية على تعريفات إحداثية، وتثبتها الملاحظة، وعندئذ تكون لها حقيقة تجريبية. أما بديهيات الأخلاق فلا يمكن أن تعد فيه صحيحة، وإنما هي قرارات إرادية. وعندما ينكر الفيلسوف العلمي إمكان وجود أخلاق علمية، فهو إنما يشير إلى هذه الحقيقة. وهو لا يستطيع أبدا أن ينكر أن العلوم الاجتماعية تقوم بدور هام في جميع تطبيقات القرارات الأخلاقية. وهو لا يود أن يقول إن ما يسمى بالبديهيات هي مقدمات لا تتغير، تسري على كل العصور والظروف. فحتى المقدمات الأخلاقية العامة ذاتها قد تتغير بتغير البيئة الاجتماعية، وعندما تسمى بديهيات فإن كل ما يعنيه هذا اللفظ هو أنها لا توضع موضع الشك في السياق الذي يتعلق به البحث فحسب.
إن الأخلاق تشتمل على عنصر معرفي وعنصر إرادي، ولا يمكن أبدا أن تؤدي علاقات اللزوم المعرفية إلى استبعاد القرارات الإرادية استبعادا تاما، وإن كانت تستطيع أن تنقص عدد هذه القرارات وعلاقات اللزوم بوضوح من خلال التحليل الآتي: فلنفرض أن شخصا يريد كلا من الهدفين «أ» و«ب». ولكن العالم الاجتماعي يثبت له أن «أ» يلزم عنها لا-«ب». فهل يتعين عليه إذن أن يتخلى عن «ب»؟ كلا بالتأكيد؛ ففي استطاعته أيضا أن يتخلى عن «أ» ويختار «ب»، إذا كانت «ب» تبدو له الهدف الأفضل. وعلى ذلك فاللزوم الأخلاقي لا ينبئ الشخص بما ينبغي عمله، وإنما هو يواجهه باختيار فحسب. والاختيار مسألة ترجع إلى إرادته، ولا يمكن أن يعفيه أي لزوم معرفي من هذا الاختيار الشخصي.
فمثلا، قد يريد شخص السلام بين الدول، ولكنه يريد أيضا التحرر من الاستعباد. فيتضح له أن من المستحيل أحيانا التخلص من الاستعباد إلا بقوة السلاح. فهل يلزم عن ذلك أنه إذا حدثت هذه الظروف كان لا بد من الدعوة إلى الحرب ضد الاستعباد؟ مثل هذا الاستنتاج سيكون باطلا؛ إذ إن النتيجة التي تترتب على ما سبق هي أنه لا يستطيع أن يحصل على السلام وعلى الحرية معا، وعليه هو أن يحدد أي هذين الهدفين يفضل. فاللزوم المعرفي: «الحرية يلزم عنها الحرب» لا يؤدي إلى شيء سوى إلزامه بالقيام بهذا الاختيار، ولكنه لا ينبئه بما ينبغي عليه أن يختار.
هذا التحليل يوضح أيضا أنه لا توجد أهداف مطلقة، أعني أهدافا يسعى إليها الناس في جميع الظروف. فمن الممكن أن يحكم على كل هدف على أساس نتائجه. ولو كان الهدف يقتضي استخدام وسيلة نعدها ضارة بأهداف أخرى، وكانت هذه الأهداف في نظرنا أرفع من الأول، فإننا في هذه الحالة نتخلى عن الهدف الأول. فإذا كان صحيحا أن الغاية تبرر الوسيلة، فإن من الصحيح، على عكس ذلك، أن الوسيلة يمكن أن تقتضي رفض الغاية. فعلاقة اللزوم بين الغاية والوسيلة لا تقدم دليلا على أن من الواجب اتباع الوسيلة، وإنما هي تقتصر على إثبات ضرورة الاختيار بين أمرين. فهي تثبت أن علينا أن نطبق الوسيلة أو نتخلى عن الغاية. وهذا اختيار ينبغي على كل شخص أن يقوم به بنفسه.
وقد يكون من المفيد أحيانا أن نعرف مزيدا من علاقات اللزوم. فإذا كان يتعين الاختيار بين «أ» و«ب»، فقد يكون من المفيد أن نعرف أن «أ» لازم للهدف «ج»، وأن «ب» لازم للهدف «د». وبدلا من أن نقارن بين «أ» و«ب» فقد نقارن عندئذ بين «ج» و«د». فقد تعرض على شخص، مثلا، وظيفة ذات مرتب كبير، ولكنها تلزمه بتأييد آراء سياسية ظل حتى ذلك الحين يرفضها بشدة. على أنه يحتاج إلى المال لإكمال تعليم أبنائه، ومع ذلك فإنه لو أصبح عميلا سياسيا لفقد احترامه لنفسه واحترام أصدقائه له. وهكذا يرتد الاختيار الأصلي بين الوظيفة ذات المرتب الكبير والولاء لآرائه السياسية إلى اختيار بين امتلاكه للوسيلة اللازمة لتعليم أبنائه وبين احتفاظه بكرامته الشخصية. هذا المثل يوضح أن إرجاع القرارات إلى قرارات أخرى لا يكاد يخفف من صعوبة الاختيار بينها. وقد يكون الاختيار بين الهدفين «ج» و«د»، في حالات أخرى، أسهل من الاختيار بين الهدفين «أ» و«ب». ومع ذلك فمن الواضح أن أي رد أو إرجاع كهذا يجعلنا إزاء اختيار لا يمكن البت فيه بالوسائل المعرفية؛ فإرادتنا هي الأداة النهائية لاختيارنا.
Page inconnue