Du Transfert à la Création
من النقل إلى الإبداع (المجلد الثاني التحول): (١)
Genres
172
وتدخل المتواترات في «الإشارات والتنبيهات» في نظرية عامة لمادة القياس. فمواد القضايا أربعة: المسلمات والمظنونات والمشبهات والمخيلات. والمسلمات معتقدات ومأمورات. والمعتقدات واجب قبولها، ومشهورات ووهميات. والواجب قبولها أوليات ومشاهدات، ومجربات. والمجربات حدسيات، ومتواترات، وقضايا قياساتها معها. فالمتواترات جزء من المجربات. والمجربات جزء من الواجب قبولها التي هي بدورها جزء من المعتقدات والمعتقدات جزء من المسلمات. المتواترات إذن مجربات وليست غيبيات. وهو ما يتفق مع أحد شروط التواتر عند الأصوليين، وهو الاتفاق مع الحس ومجرى العادات. وهي مصدر المعرفة التاريخية وليست الدينية فقط. أساسها شعور باليقين الذي لا يأتي من عدد الرواة بل من سكون النفس الذي يحدد العدد. ولما انقسمت المشهورات إلى واجبات وتأديبيات وخلقيات واستقرائيات دخلت الشرائع الإلهية مع التأديبيات الإصلاحية لتوسيع نظرية العلم ومادته، ويجوز للوهميات أيضا أن تكون مشهورة لولا مخالفتها للسنن الشرعية.
173
كما ظهرت المشهورات أيضا كمادة للبرهان. والمشهور مثل المتواتر مصطلح من مصطلحات علم الحديث، والمقدمة المغالطية تشبه المشهورة وهي ليست كذلك؛ فكثير من المشهورات كاذب، وكثير من الشنيع حق. ونسبة المشهور والشنيع إلى الجدل كنسبة الحق والباطل إلى البرهان. الغلط في البرهان ما ليس بحق، وفي الجدل ما ليس بمشهور. فلا يطلب اليقين بالمشهورات. والقضية المشهورة ليست بصادقة. وبالتالي لا يقاس عليها. فتارة يقاس على أن النفس لا تموت وتارة يقاس على أن النفس تموت. وأحيانا يسميها ابن سينا الذائعات . وهي مقدمات وآراء مشهورة ومحمودة وجب التصديق بها بشهادة الكل أو الأكثر أو العلماء أو الأفاضل فيما لا يخالف فيه الجمهور، مقاييس الصدق إذن مراتب الإجماع على ما يقول الأصوليون، الكافة أو الغالبية من الناس أو العلماء أو الفضلاء بشرط عدم مخالفة الجمهور، أي حكمة الشعوب والبداهة الشعبية. صدقها ليس بالفطرة أو بالعقل، بل بالعادة منذ الصبا أي الثقافة المدونة والاتفاق عليها مثل المبادئ الخلقية والسنن القديمة الباقية دون تغير استقراء من التاريخ. ويضرب ابن سينا المثل على ذلك بمثل عربي قديم تحول إلى حديث نبوي بعد قراءة جديدة له تكمل الطبيعة وتعمقها «انصر أخاك ظالما أو مظلوما.» الذائعات مرتبطة إذن بدرجة انتشار الخبر وبمقاييس صدقه.
174
والفطرة الإنسانية بين المنطق والوحي موضوع سينوي أصيل لا شأن له بالمنطق الوافد. الفطرة لفظ موروث. ولما كانت الفطرة غير كافية - وإلا لما اختلف العقلاء - احتاجت إلى عون آخر من المنطق كما هو الحال في الموروث؛ فالمنطق في الوافد يقوم بدور الوحي في الموروث، والوحي في الموروث يقوم بدور المنطق في الوافد. بل إن المنطق يقوم بدور الوحي في الوافد، والوحي يقوم بدور المنطق في الموروث. قد تستغني عن المنطق إلا إذا كانت مؤيدة بوحي من الله تعالى. والفطرة تشهد بالوهميات كما تشهد بالعقليات. وتعني توهم اعتقاد أو حدوث شيء وهو بالغ عاقل دون أن يسمع رأيا أو يعتقد مذهبا أو يعاشر أمة أو يعرف سياسة. اعتمد على المحسوسات ثم حولها إلى خيالات ثم عرضها على الذهن فإن شك فلا تشهد الفطرة بها وإن لم يشك أوجبته الفطرة. وليس كل ما توجبه الفطرة صادقا بل البعض كاذب. إنما صدق الفطرة من العقل. ويكون الكذب في الأمور غير المحسوسة بالذات مثل مبادئ المحسوسات الهيولي والصورة بل العقل والباري وهي أعم من المحسوسات كالوحدة والكثرة والتناهي واللاتناهي والعلة والمعلولة. يقين الفطرة من العقل، وكذبها نظرا لتجاوز الكاذب منها المحسوسات مثل المبادئ العامة ومنها الباري تعالى. ولو كان الله مدركا حسيا لما وقع فيه الكذب .
175
ويظهر القياس الفقهي في الفصل الحادي والعشرين من كتاب القياس من المقالة التاسعة وهي أطول المقالات. وهو من وضع ابن سينا. اللهم إلا إذا كان أرسطو يعني القياس القانون. وهذا هو موطن الإبداع أو اقتران التأليف العارض بمواطن الإبداع مثل أوتاد الخيمة، ولا يوضع القياس الفقهي مع البرهان والقياس بل مع التمثيل والاستقراء؛ لأنه ظن. فهو جزء من منطق الخطابة والقضايا الحسية والتعقلية والوساطية والنقلية. هو منطق العمل والفعل الذي يجتمع فيه الجزء مع الجزء، والجزء مع الكل، والحس مع الحس، والحس مع العقل، والنقل مع العقل. أما الوساطية فهي المبادئ العامة التي تخص كل الشعوب. الضمائر فيه هي الدلالات والعلامات لأنه يتعلق بأفعال الأفراد والجماعات، الخاص والعام. يتشابه ويختلف مع القياس المنطقي. فالأصل في القياس الشرعي هو المقدمة الكبرى في القياس المنطقي. والفرع في القياس الشرعي هو المقدمة الصغرى في القياس المنطقي. والعلة في القياس الشرعي هو الحد الأوسط في القياس المنطقي، والحكم في القياس الشرعي هو النتيجة في القياس المنطقي. وهو قياس مثالي، وتعني المثالية الحكم بالشبيه على الشبيه من المثال والنموذج أي النص والأصل. والأصل مأخوذ من الوحي وهو ما يسميه ابن سينا صاحب الشريعة. ونظرا لأنه من الشيعة الاثني عشرية فإنه يضم إلى الرسول خلفاء الله المهديين والأئمة من الشيعة. والجزء والكل في المنطق الصوري هما الخاص والعام في القياس الشرعي. فالخاص يراد به العام في المنطق الشرعي، كما أن الجزئي يراد به الكلي في المنطق الصوري، والعام يراد به الخاص في المنطق الشرعي كما أن الكلي يراد به الجزئي في المنطق الصوري. والخاص يراد به الخاص في المنطق الشرعي، كما أن الجزئي يراد به الجزئي في المنطق الصوري، والعام يراد به العام في المنطق الشرعي كما أن الكلي يراد به الكلي في المنطق الصوري، والغالب على القياس الشرعي هو القياس الحسي لأنه يتعلق بأفعال الناس على عكس القياس المنطقي العقلي الصوري لأنه يتعلق بصور القضايا وأشكال الفكر. لذلك ارتبط القياس الشرعي بالفقه والسياسة. ويعني الفقه والسياسة هنا العمل. والسلوك، العبادات والمعاملات. وتعتمد القياسات الحسية على المقدمات الفقهية والسياسية المخلوطة. مقدماتها الكبرى من الفقه ومقدماتها الصغرى من السياسة، عوامها من أصول الفقه، وخواصها من الممارسات اليومية. أما القياسات الوساطية فمقدماتها مأخوذة ومختلطة من الفقهية. وهي الآراء المحمودة التي لا تخص ملة بعينها وهي سنن غير مكتوبة. عمومياتها فقهية، وخصوصياتها حكمة الشعوب. والمبادئ العامة المحمودة عند كل الناس. العام من الفقه، والخاص من الجمهور، العام من الوحي، والخاص من ثقافات الناس.
176
ويضرب المثل بالفقيه كمحمول لزيد كموضوع. كما تستعمل بعض الأمثلة الفقهية كنموذج للعبارات والقضايا المتقابلة خداعا مثل «إن السكر محرم» وليس فيها تقابل. ويأخذ ابن سينا أمثلة من السنة على المقدمات المحذوفة مثل «إن كل ما هو غير شر ويضاد الشر فهو خير.» وتؤخذ أمثلة من موضوعات الفقه على علاقة الأسماء بالمسميات. فالخمر والسلافة يفيدان نفس المعنى باسمين مختلفين، وللسلافة زيادة معنى (الصفاء، الذوق). كما يستعمل مثل الخمر المسكر لبيان حال الجزء والكل، والقوة والفعل. فهل السكر القليل أم الكثير، بالإمكان أو بالفعل؟ ويظهر النسخ في الشريعة كمثال لاختيار حد أفضل من حد آخر إذ لا حدين لشيء واحد. وبالتالي يصبح الحد الأفضل هو الناسخ والحد الأخس هو المنسوخ كما هو الحال في الشريعة. هنا يستعمل ابن سينا معنى النسخ اشتقاقيا بمعنى الإزالة والإثبات، إزالة المنسوخ وإثبات الناسخ وليس بالمعنى الإصلاحي بيان زمن الحكم. ومع ذلك يدل استعمال ابن سينا لمصطلح النسخ على وجود الشريعة في المخزون البيئي الثقافي لديه حتى وهو يؤلف في المنطق تأليفا في الوافد بمصطلحات الموروث، والسنن القديمة بقيت ولم تنسخ بشهادة الاستقراء الكثير أي حكمة الشعوب.
Page inconnue