فصل في فسخ ظنون قيلت في هذا الموضع وربما ظن أن هذه الأجسام لا تستحيل في كيفياتها بل الماء إنما يسخن لأن الحرارة النارية تخالطه من خارج أو لأنها تكون كامنة فيه فتظهر -
أما الوجه الأول فيظهر بطلانه أن هذه الأشياء تسخن بالمحاكة والحركة ولا يكون هناك نار وردت من خارج فخالطته والانسان يغضب فتسخن جميع أعضائه من غير نار وردت عليه فخالطته وإذا حك جسم جسما فليس يمكن أن يقال أن نارا انفصلت من الحاك ودخلت في المحكوك ولا بالعكس لأنه ليس ولا واحد منها يبرد بانفصالها فيسخن الآخر بنفوذها فيه لكنهما يسخنان ظاهرا وباطنا وأما الكمون فليس له معنى البتة لأن الجسم يوجد باردا في جميع أجزائه الباطنة والظاهرة ثم يسخن في جميعها ولو كانت النار كامنة في جزء منه - ثم ظهرت في جزء آخر لكان الحر موجودا في ذلك الجزء ثم انتقل عنه وحل في ذلك الجزء مثل البرد الذي كان موجودا في الجزء المنتقل إليه وليس كذلك - وكذلك الصلب يلين واللين يصلب والعلة فيه هذه العلة أعني الاستحالة لا الكمون ولا المخالطة لوارد خارج: وربما ظن أن هذه الأجسام وإن كانت أسطقسات فإنها ليس من شأنها أن يستحيل بعضها إلى بعض والحق خلاف هذا وقد يمكن أن يتبين ذلك بوجوه شتى إلا أن اعتبار المشاهدات أولى بمثل هذا الموضع وذلك أنا رأينا الماء العذب انعقد حجرا جامدا في زمان غير محسوس وذلك الحجر جوهر أرضي لا محالة إنما يقصر به عن تمام الأرضية اجتماع ماء فيه وأدنى رطوبة ويمكن أن تزال فيعود كلسا وأن نترك الكلس حتى يعود رمادا - وقد يمكن بالحيل أن يحلل الجسم الصلب ماء - وأن تدام عليه الحيلة حتى يصير ماء زلالا وإن كانت فيه كيفية ما باقية فلا يبعد على الأيام أن تبطل تلك الكيفية وقد رأينا من حلل أجساما صلبة بمياه حادة وبحيل أخرى وإذا كان الأمر على هذا فالمادة بين الماء والجوهر الأرضي مشتركة وليس ولا إحدى الصورتين لها ملازمة بل يصح انتقالها من صورة إلى صورة أخرى ثم الهواء قد شاهدناه وهو هواء صحو يغلظ دفعه فيستحيل أكثره أو كله ماء وبردا وثلجا ويسقط على ما تحته ويصحى كرة أخرى في غاية ما يكون الهواء الصحو - ثم لا يلبث ساعة أن يغلظ دفعة أخرى ويستحيل لذلك فيحدث الغيم لا عن بخار البتة يصعد أو يرد من موضع بل عن ضباب ينزل ويتصل بوجه الأرض وهذا في قلل الجبال الباردة ورأينا ذلك يثبت على الدور حتى يجتمع في قليل مدة من الثلج والبرد أمر عظيم كله هواء قد استحال ماء والعين تشاهده وتراه لأنه يكون
Page 121