635

سيدي جمال الدين علي بن إبراهيم بن محمد بن إسماعيل الأمير وتقدم ذكر أبيه في حرف الهمزة(1)، ولد صاحب الترجمة بصنعاء في بضع وسبعين ومائة وألف، ونشأ بها وقرأ في النحو ما يقيم به لسانه وشارك في غيره بالمطالعة والمجالسة للعلماء وأهل الأدب، وله ذكاء وقاد وذهن سيال وفطنة وألمعية، واعتنى في أول نشأته بالأدب وحفظ الأشعار حتى بلغ الغاية ثم نظم الشعر الحسن، وأتى بغرائب لطيفة وطرائق ظريفة، وقوى ساعده في النثر والرسائل وجاء من الشعر الملحون والهزلي بما يسحر الألباب وتسيل لرقته الصخور، وله طرائق في المجون مستطرفة مستملحة، وصناعة في ذلك لا يقدر عليها غيره، مع فصاحة لسان، وبلاغة قول وجزالة معنى وسرعة استحضار، ينفرد بها عن أبناء جنسه، وهو في فصاحة خطابه يلحق بأبيه وجده، وقد عقد مجالس للوعظ، في جامع صنعاء وغيره، وكان إذا تكلم كأنما يستملي من كتاب لا يتلعثم في خطاب، ولا يتردد في معنى ولا يحصر في الكلام، ولا يستعصي عليه التعبير فيما أراد مع الملاحة للتعبير الذي يفهمه العوام وبالجملة فليس له في ذلك نظير، وقد جاب في البلدان اليمنية خصوصا بلاد تهامة لوفور نشاطه ورقة طبعه ورغبته إلى لقاء الظرفاء وتردد إلى مكة المشرفة مرارا للحج ولزيارة والده وهو ممن لازم مجالسة سيدي محمد بن هاشم الشامي الأتي ذكره، وكذلك سيدنا سعيد القرواني ومن يشاكلهم، وقد صحب شيخنا الوجيه مدة، وقرأ عليه في فن المعمى، واتصل بالعلامة الوزير الحسن بن علي حنش، ثم أقبل في آخر أمره على عبادة الله وإرشاد العامة إلى الطاعة وملازمة الأذكار، وهجر قول الشعر إلا في التوسل أو المديح الإلهي والنبوي والعلوي، ومن شعره في مدح آل البيت -عليهم السلام- قوله:

أرسلت سهم مقلة نعساء ... وثنت جيدها على استحياء

غادة غادرت صريع هواها ... في حماها مضرجا بالدماء

فثنت نفسها فانحلت ... الجفنين والخصر سقم أهل الهواء

Page 239