Effluves de Rayhana
نفحة الريحانة ورشحة طلاء الحانة
به يبذُل الحسنَ المصونَ لمن بهِ ... وفي غيرهِ لو كان ما كانَ باذِلا
ترى جدرَه كالعاشقينَ من الجوى ... غداةَ النَّوى تُبدي دموعًا هواطِلا
لقد شادَه نجمُ الهِدايةِ واحدُ ال ... أفاضِلُ في الشَّهباءِ طولًا ونائِلا
منها في المديح:
وكم نمَّقتْ أفكارُه غلسَ الدُّجى ... رياضًا سقاها الفضلُ طلًاّ ووابِلا
حدائقُ لم يكسُ الهجيرُ نظيرها ... ذبولًا وقد تلقى الرِياضَ ذوابِلا
عرائِسُ تلقاها بضافِي ثيابِها ... فإن لاحَ ما فيهنَّ قلتَ ثواكِلا
تُجيبكَ عمَّا رمْتَ وهي صوامتٌ ... ومن ذا رأى خرسا تُجيب المُسائِلا
بدائِع فكرٍ للأواخِر وطَّدتْ ... محاسِن ذِكرٍ تستقلُّ الأوائِلا
ألمَّ في هذه القطعة بقول السري الرفاء، في وصف الكتب:
عندِي إذا ما الرَّوضُ أصبحَ ذابِلا ... تحفٌ أغضُّ من الرياضِ شمائِلا
خُرسٌ يحدِّثُ آخرٌ عن أولٍ ... بعجائِبٍ سلفتْ وكنَّ أوائِلا
سُقيتْ بأطرافِ اليراعِ ظهورها ... وبطونُها طلاَّ أجمَّ ووابِلا
وتُريكَ ما قد فاتَ من دهرٍ مضى ... حتى تراهُ بعينِ فكرِكَ ماثِلا
وله في الشيب:
يقولُ ليَ الشَّيبُ وقد راعني ... منه سنًا قد أبادَني الوسَنا
إلى مَ لا ترعوي ألستَ ترى ... قد لبستْ كلُّ شعرةٍ كفنا
وله فيه أيضًا:
وسائِلةٍ حالي وقد ودَّع الصِّبا ... ولاحتْ نجومُ الشَّيبِ في الرأسِ تُزهرُ
وما حالُ من يغدو ومن فوق رأسِهِ ... مدى عمرِه لا زالتْ البيضُ تشهرُ
محمد بن نور الدين الشهير بابن الدرا هو لمشامِّ الأرواح شمامة، وكأنَّه زهرةٌ تفتحت عن كمامة. بزع في أفق دمشق وبها برع. وما أتحققه إلا في بحبوحة الترف ترعرع.
فمرة يتشبه بالبدر إذا أقمر، وتارةً يتمثَّل بالغصن إذا أثمر.
وهو في لطف الشمائل، بمثابة نور الخمائل. ترقرق عليه ماء القبول، فنظم ما هو أرقُّ من نسيم القبول.
وشعره يكاد من كثرة مائه يتقطر، ويكاد القلب من غرامياته يتفطر. ولأجل أنَّه من أشعار الصِّبا، وهي كما قيل التمر باللِّبا. رق رقة دين الفاسق، وشقَّ عليه قلبه العاشق.
وأنا من منذ ولعت بالشعر، وساومت منه من سوق الرقيق كلَّ غالي السِّعر.
شغِفٌ به وبشعرِه ... شغفَ المحبِّ بمن يحبْ
أتفكه بيانع ثمره، وأعدُّه من ليلي ومن سمرِه. وقد أتيتُ منه بما أسأل في وجنة الدهر غرةً ماء الحسن فيها مترقرق، وحسبك من شعرٍ إذا ما غنَّى به النبت الهشيمُ يورق.
فمنه قوله في قصيدةٍ، مطلعها:
ساقٍ أغنُّ وروضةٌ غنَّاءُ ... ومُدامَ كرخِيَّةٌ صهباءُ
يسعى بها طورًا ويجلس تارةً ... فيديرُها من لحظِه الإيماءُ
رشأٌ تجاذبتِ المحاسنُ خلقهُ ... حتى لودَّتْ أنَّها أعضاءُ
خطَّار قامتِه الرطيبةِ ما انثنَى ... إلا استلذَّتْ فتكةَ الأحشاءْ
وشموسُ طلعتِ حسنِه مذ أسفرتُ ... حمدتْ أُفولَ عقولِها العقلاءُ
في جنحِ طرَّتهِ وصبحُ جبينِه ... نعمَ الصَّاحُ وحبَّذَ الإمساءُ
أفديهِ إن أخذَ الطِّلا منهُ وقد ... دعتِ الكرَى أجفانُه الوطفاءُ
يحبوكَ من تحفِ الحديثِ لطائِفًا ... هي عنديَ الأكوابُ والنُّدماءُ
منها:
حتى إذا أذكى الحياءُ بخدِّهِ ... لهبًا بهِ تتلهَّبُ الأحشاءُ
واحمرَّ قلبُ عقاربِ الصُّدغينِ وان ... هلَّتْ بلؤلؤِ عقدِها الجوزاءُ
فوقفتُ أحيرَ من مناطِق خصرِه ... متوسِّلًا ودعائِي استصحاءُ
فانزاحتِ الجوزاءُ نحوَ غروبِها ... وبدا لشمسِ جبينِه لألاءُ
ورنا إليَّ ملاطِفًا بعتابِه ... ويزينُه أدبٌ له وحياءُ
منها:
1 / 58