وما توسطا الجبل حتى رأيا جزع شجرة كبيرة يسد الطريق، ثم سمعا جلبة وراءهما وفوقهما فالتفتا حولهما وإذا بهما بين عصابة من اللصوص وقطاع الطريق.
وكان سمعان ونجله سليم من الشجعان البواسل، ولكن اللصوص لم يتركوا لهما مجالا لإظهار شجاعتهما، بل صوب بعضهم البنادق إلى صدريهما وتقدم زعيم اللصوص، فقال: «اشلحا.» «سلما تسلما.»
فنظر سمعان إلى سليم ، وقال: افعل كما أفعل، والتفت حوله فلم يجد سبيلا للنجاة، فالطريق شعب ضيق في الجبال ولا منفذ منه إلا حيث سد بالشجرة الكبيرة التي لا يستطيعان أن يمرا فوقها، ومن ورائهما وفوقهما اللصوص، وقد صوب بعضهم البنادق، فالمقاومة لا تجدي نفعا؛ لأن هؤلاء الأشرار لا يمهلون الرجل إلا ريثما يتحرك حتى يكونوا قد أطلقوا النار عليه فأردوه قتيلا، فنظر إليهم سمعان، وقال: يا أولادي، نحن إخوان لكم، جئنا هذه القرية بتجارة وقد دفعنا كل ما لدينا من المال ثمنا للحبوب التي اشتريناها، فإذا كنتم بحاجة فالله كريم منان، ونحن لا نبخل عليكم بما تبقى معنا، إنما إذا كان لكم ثأر على أهل القرية فنحن غرباء. قال ذلك؛ لأنه ظن أن هنالك عصابة مسيحية تعبث بالأمن في تلك الجهة انتقاما من المتاولة، كما كان يعتقد أهل القرية أنفسهم، ومع أنه رأى من أزيائهم ما غير اعتقاده إلا أنه حسب أنهم ربما غيروا ملابسهم، وتعمم البعض منهم تعمية للناس.
فتقدم زعيم اللصوص وقال: «لا تضيعا الوقت، فنحن لا نريد بكما شرا، إذا أجبتما طلبنا حالا، فانزعا ملابسكما واتركا جواديكما وكل ما تملكان لنا، وإلا فإذا حاولتما الاستغاثة أو المقاومة فليس أمامكما إلا الموت الزؤام.» فتقدم سمعان، وقال: «رويدكم أيها الإخوان! أما الجوادان وما لدينا من مال فنتركه لكم عن طيب خاطر إذا كنتم تتركوننا بملابسنا؛ إذ إنه من العار أن نسير عاريين ونحن غرباء عن هذه الديار، فنستحلفكم بالله ألا تشددوا علينا، وهاكم ساعتي وخاتمي فخذوهما.» فقال الزعيم: «يظهر أنكما رجلان طيبان، فانزعا ملابسكما الخارجية فقط، وأبقيا قسما مما تلبسان لستر عورتكما وسوف نربطكما بشجرة ريثما نبعد عنكما، ويبقى بقربكما رجل منا فإذا رفعتما صوتكما بالاستغاثة، فتك بكما، فإياكما أن تفعلا شيئا، والآن ترجلا حالا فلا موضع لإطالة الكلام.»
فما انتهى من كلامه حتى ارتفع صوت امرأة تستغيث، وتقول: «شباب، شباب، اللصوص اللصوص!» ثم تلا ذلك إطلاق بندقية، فجفل الجواد الذي كان يركبه سليم - وكان جموحا - وجرى مسرعا به، فضرب بصخر بارز ، ثم انقلب به في حفرة كائنة في أسفل الطريق، فأغمي على سليم ولم يعد يعي على شيء.
الفصل الرابع
اليقظة
فتح سليم عينيه بعد نحو نصف ساعة فإذا به يرى نفسه وقد أفاق من غشيته نائما على فراش وثير، فنظر حوله، وإذ لم يجد والده صرخ: «أبي، حبيبي، أين أبي؟ بالله قولوا أين هو وأين أنا الآن؟»
فتقدم محمد الهلالي، وقال: «طب نفسا، فأنت في منزلنا، ووالدك هنا يكتب كتابا للطبيب في بعلبك لقربها منا، فالحمد لله على سلامتكما.» ثم علم سليم أن أهل البلدة حينما سمعوا استغاثة المرأة أسرعوا بأسلحتهم وتبادلوا إطلاق النار مع رجال العصابة، فجرحوا اثنين وألقوا القبض عليهما وعلى ثالث من رفاقهما وفر الباقون، فعرفوا اللصوص - وهم غير مسيحيين كما كانوا يحسبون - وقد وجدوا معهم بعض ما سرقوه من القروي الذي سلبوا ماله من قبل.
وكان الألم الذي يشعر به سليم شديدا، فخف أحد الرجال إلى بعلبك وعملوا لسليم الإسعافات الأولية كما يفهمها أهل القرية، وشغل بال سمعان - ولكن ابنه طمأنه - وحاول أن يخفف من انشغال بال والده، فقلل من أهمية ما أصابه، وتحمل الألم بصبر وطول أناة.
Page inconnue