فلو أن الوالي حين كتب إليهم أخبرهم أين يريد من دار الحرب أو أخبرهم كم يريدون من المسير، وكان ذلك مسيرة يومين من المدينة القريبة فإن أهل المدينة البعيدة يقصرون الصلاة كما خرجوا من مدينتهم، لأنهم خرجوا قاصدين مسيرة سفر.
فإن قدموا على والي المدينة القريبة، فلم يخرج أيامًا فإن أهل المدينة البعيدة يقصرون الصلاة، ما لم يعزموا على الإقامة بالمدينة القريبة خمسة عشر يومًا، فصاعدًا، فلو أن أهل المدينة القريبة خرجوا من بلدتهم وعسكروا خارجًا منها ينتظرون خروج الوالي، فقد قصدوا مسيرة ثلاثة أيام (٩٥ب١)، فمن كان منهم لم يعزم على الرجعة إلى وطنه حتى يخرج الوالي، فإنهم يقصروا الصلاة، وإن أقام في ذلك المكان شهرًا، لا يهم بالخروج صاروا مسافرين.
والمسافر يقصر الصلاة وإن كثر مقامه في موضع ما لم ينو الإقامة خمسة عشر يومًا في موضع يصلح للإقامة، ومن عزم منهم على الرجعة إلى منزله قبل أن يمضي ليقضي فيه ساعة من نهار ثم يرجع إلى عسكره، فإنه يتم الصلاة ما دام في العسكر، وفي منزله حتى يخرج من المدينة راجعًا إلى العسكر؛ لأنه نوى رفض السفر قبل استحكامه، فكما نوى يصير مقيمًا.
فلو أن أهل المدينة البعيدة حين خرجوا من مدينتهم قصروا الصلاة، ومن المدينة القريبة إلى المقصد مسيرة يومين فلما انتهوا إلى المدينة القريبة قال لهم الوالي: إن الخليفة كتب إليّ أن لا أغزو أقعد أن يخرح قبل أن يخرجوا من مدينة، فإن الصلاة التي قصروها أي: إن انتهوا إلى المدينة القريبة تامة، وكذلك الصلاة التي بالمدينة القريبة تامة ما لم يسمعوا بهذا الخبر، فإذا سمعوا بهذا الخبر فعليهم أن يتموا الصلاة.
واختلفت عبارة المشايخ في تخريج هذه المسألة بعضهم، قالوا: لأن أهل المدينة البعيدة، فيخرجوا من مدينتهم وهم ليسوا تحت ولائه والي المدينة القريبة ... في أيدي أنفسهم، وفي تدبيرهم، فتعتبر نياتهم وقد نووا الخروج مدة السفر فصاروا مسافرين بمجرد الخروج فقد قصروا صلاتهم وهم مسافرون، فصح القصر ما داموا على سفرهم فإذا وصلوا إلى المدينة القريبة، فقد صاروا تحت سفرهم، وتوقف على سماعهم الخبر فإذا سمعوا ظهر الإتمام في حقهم، فيتمون الصلاة بعد سماع الخبر.
وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده رحمة الله عليه: أن ما ذكر محمد ﵀ في هذه المسألة أن الصلاة التي قصروها أهل المدينة البعيدة في الطريق وبعدما انتهوا إلى المدينة القريبة ما لم يسمعوا بهذا الخبر الصحيح فيما إذا كان أهل المدينة البعيدة متطوعين في الغزوتان خيرهم والي المدينة القريبة بين الغزو والسفر وتركه؛ لأنهم إذا كانوا متطوعين في الغزو لم يكونوا تابعين لوالي المدينة القريبة، وقد نووا مسيرة السفر على النيات، فصاروا مسافرين والمسافر يقصر الصلاة ما لم يعزم على ترك السفر، فجاز