La première aventure de l'esprit : étude sur le mythe : Syrie et Mésopotamie
مغامرة العقل الأولى: دراسة في الأسطورة: سوريا وبلاد الرافدين
Genres
1
إن الحضارة الكنعانية قد دخلت في أساس الثقافة اليونانية اللاحقة. يظهر هذا التأثير في الأساطير اليونانية التي تشير صراحة إلى التأثير الثقافي الشرقي، كأسطورة قدموس الإله الذي جاء من فينيقيا وعلم اليونانيين الكتابة، وأسطورة اختطاف الإلهة السورية يوروبا التي أعطت اسمها للقارة الأوروبية الجديدة. وقد أطلق اليونان على من احتكوا بهم من الشعوب الكنعانية اسم الفينيقيين.
حتى الربع الأول من هذا القرن بقيت معلوماتنا عن الميثولوجيا الكنعانية والأدب الكنعاني محدودة جدا، ومعتمدة على مصادر مشكوك في صحتها وصدقها. وهذا الشك راجع إما إلى كون هذه المصادر معادية للكنعانيين، كما هو الأمر في كتاب التوراة الذي نقل لنا كثيرا من أسماء الآلهة الكنعانية، وذكر لنا كثيرا من طقوسهم. أو لكون المصادر متأخرة تاريخيا، ومتأثرة بأساليب التفكير الأجنبية، كما هو حال المؤلفين الذين كتبوا باللغة اليونانية في الفترة اللاحقة، مثل فيلو الجبيلي، الذي نقل لنا كثيرا من آراء ومعتقدات الفينيقيين، ولكن من خلال عقل مشبع بالثقافة اليونانية وأساليبها الفلسفية.
إلا أن اكتشاف مدينة أوغاريت على الساحل السوري، جعلنا نقف على أرض أكثر صلابة لأن الألواح الفخارية التي تم العثور عليها في أنقاض معبد بعل هناك، قد وصلتنا بالثقافة الكنعانية مباشرة دون وسيط أو ناقل. وبعد حل رموز الكتابة الأوغاريتية ثبت بالدليل القاطع أن الكتابة المسمارية التي نقشت على تلك الألواح هي كتابة أبجدية، وتنتمي لعائلة اللغات السامية.
والأوغاريتية شديدة القرب للغة العربية. ولعل إيراد بعض المقاطع من اللغة الأوغاريتية مكتوبة بالحروف العربية، ومقارنتها بترجمتها العربية، يعطينا فكرة عن هذا القرب ونوعه. وإليكم مقطعا من ملحمة كرت: يعرب بحدره ويبكي (أي: يدخل خدره ويبكي). بتن رجم ويدمع (أي: يثني الكلام ويدمع). تنكتن أدمعته (أي : ودموعه تنكت). كم شقلم أرصه (أي: كما المثاقيل على الأرض). تمنح مصت مطته (أي: تبلل غطاء سريره). إيل يرد بظهرته (أي: ويرد إيل بظهوره). أب آدم ويقرب (أي: ويقترب أبو البشر). يسأل كرت (أي: يسأل كرت). يدمع نعمن غلم إيل؟ (أي: أيدمع الجميل غلام إيل؟) عل لظهر مجدل (أي: أعل ظهر القلعة). ركب شكم صمت (أي: اركب شكائم الجدار). سأيدك شم (أي: ارفع يدك نحو السماء). دبح لثور ابك إيل (أي: واذبح للثور أبيك إيل).
يظهر على رأس قائمة الآلهة الأوغاريتية الإله إيل كبير الآلهة ورب السماء، يعتلي عرشه في السماء السابعة. وقد شاعت عبادة هذا الإله لدى جميع الشعوب السورية. فنجد في الحواضر الفينيقية، والآرامية في الألف الثالث قبل الميلاد، كما نجده في مدينة تدمر وغيرها من الحواضر السورية في العصور الكلاسيكية المتأخرة. وقد عبده العبرانيون في مطلع تاريخهم أيضا، وكان إله أجدادهم الأولين كما يحدثنا بذلك كتاب التوراة في سفره الأول. كما نجد الإله بعل أو حدد وهو رب المطر والسحاب والصاعقة، وكان الإله الأقرب لقلوب العباد لعلاقته المباشرة بمعاشهم؛ فهو سيد الدورة الزراعية التي يعتمد عليها البشر في حياتهم. وإلى جانب بعل نجد نقيضه الإله موت إله الجفاف والحرارة والعالم الأسفل، وهو في صراع دائم مع بعل.
ومن الآلهة المؤنثة عبد الكنعانيون عشيرة الأم الكبرى وزوجة إيل، وكانت تدعى أيضا إيلات نسبة إلى إيل، من ألقابها سيدة البحر، وما زال اسمها حتى الآن يطلق على الخليج المعروف في البحر الأحمر باسم خليج إيلات. كما عبدوا عناة حبيبة الإله بعل وروح الخصوبة الكونية، وكانت تلقب بالعذراء، وهنالك عستارت، وهي إلهة أخرى للخصب تقاسمت مع عناة وظائف إلهة الخصب البابلية عشتار. إلى جانب هذه الآلهة الرئيسية نجد آلهة تأتي في المرتبة الثانية مثل الإله يم وهو البحر الأول، وشبش إلهة الشمس، وهي أنثى على عكس إله الشمس البابلي شمش، وداجون إله القمح وأبو الإله بعل.
تتجه الأسطورة الأوغاريتية لتفسير الطبيعة بطريقة تروي توق الإنسان الكنعاني المستمر لدوام الخصب في الأرض والحيوان والإنسان، ودوام دورة الطبيعة. وقد صيغت الأسطورة في قالب حركي مليء بالفعل، وانطلاقا من ذهنية بعيدة عن التجريد. فنجد الآلهة التي تمثل تشخيصا لظواهر الطبيعة، وقد انهمكت في القيام بأفعال حركية، بها ترتبط دورة الطبيعة. فعندما يقوم بعل، وهو إله الحياة والخصب، بمنازلة موت إله الموت والجفاف؛ فإن أهمية هذا الصراع ونتائجه لا تقتصر على الإلهين المتصارعين، بل تشمل الظواهر الكونية كلها.
تقع الألواح الفخارية التي قدمتنا للأسطورة الكنعانية في ثلاث مجموعات، المجموعة الأولى تضم الأساطير المتعلقة بالإله بعل، وعلاقته مع بقية آلهة المجتمع الفينيقي. والمجموعة الثانية تضم ملحمة «كرت» ملك حبور. والمجموعة الثالثة تضم ملحمة الأمير «أقهات»، وتحتوي قصته كسابقتها على فيض من العناصر الأسطورية. وقد عثر على هذه الألواح جميعا في أنقاض معبد بعل وهي في حالة يرثى لها من التشوه والتلف؛ مما جعل مهمة الباحثين على غاية من الصعوبة. يضاف إلى ذلك الصعوبات والمشكلات التي ما زالت تثيرها اللغة الأوغاريتية إلى يومنا هذا؛ فحتى الآن ما زال هناك كثير من النصوص الغامضة والعصية على التفسير.
وتواجهنا الصعوبات بشكل خاص في ألواح بعل؛ فكاتب الألواح لم يعطها تسلسلا ما، فجاء كل لوح بأسطورة قد تكون لها علاقة بغيرها أو لا يكون؛ فالألواح لا تقول لنا مثلا هل وقع صراع بعل وموت قبل، أو بعد صراع بعل مع يم، وهذا ما جعل باب الاجتهاد مفتوحا على مصراعيه، الأمر الذي وضعنا أمام ترجمات مختلفة ومتباعدة عن بعضها لأساطير بعل؛ فالتغيير في تسلسل الألواح يغير من القصة تغييرا جوهريا. فإذا أضيف إلى ذلك الاجتهادات الواسعة في تفسير اللغة الأوغاريتية نفسها، صار واضحا مدى الصعوبة التي تواجه الباحث في تقديم صورة واضحة لمسلسل بعل. وقد اطلعت على التسلسل الذي قدمه
Page inconnue