دخل إلى هذه الضجة سكون كان يتخلل أجزاءها رويدا رويدا، حتى إذا ما تم وقاربت المركب إحدى المحطات إذا صوت الماء المنحدر جاء من هناك من أعلى القمم، ثم انساب بين الصخور والنبات والشجر فاندفق بصوت عال دائم متشابه في البحيرة الساكنة، وكلما اقتربنا منه تميز طريقه ورأيناه يظهر تارات بين المرتفعات لامعا تحت النور الساطع مندفعا بقوة ثم يختفي بين الأشجار والصخور.
وأخيرا وصلنا برينز، فهبط إليها وأخذت الشاي بمكان صغير هناك، وحيث أرسلت بنظري فالجبال الشماء الرائعة تعلوها الأشجار العالية ويموج فوق سطحها النور المتدفق، ثم تهبط هي وما عليها والنور والشجر ساقطة إلى قاع الماء السجين وسط ذلك الحصن القوي.
ولما كانت الساعة السادسة أو نحوها وآن أن نرجع، كانت الشمس قد ابتدأت تسلك طريقها إلى الغابات البعيدة، وتسقط من جوها الرفيع والهواء يتحرك والأشياء كلها تلبس حياة غير تلك الحياة النائمة التي كانت تلبس ساعة مجيئنا، وأخذ مقعده إلى أمامي في القارب ثلاث شبان أقوياء، وقد انتعلوا أحذيتهم الجبلية الكبيرة، ولبسوا بعض ملابس بسيطة تنبئ عن ضعف حالهم، ثم من بينهم فتاة يظهر أن لها باثنين منهم صلة قرابة، جلسوا وكلهم الرضى والقناعة، يضحكون عن نفس طيبة ومن حولهم سكوت أو يهمسون، والماء تموج بموجات صغيرة صغيرة تتابع منسابة فوق سطحه الذي أخذ لون الجبال الخضراء قد انطرحت بظلها فوقه، ومن بين قمتين بعيدتين تتهادى الشمس النازلة وتبعث على البحيرة وموجاتها بعقد ذهبي يتبع قاربنا في مسيره، وهناك وعن يميننا جهة الغرب منظر أبدع ما ترى العين، جبال تغطي سطحها أعشاب صغيرة تنقشها هنا وهناك خطوط بيضاء، ثم دخل كل ذلك في شيء من الظلمة، فإذا ما تجلى للنظر سحره عن كل ما حوله ولم يستطع إلا أن يبقى محدقا به.
ثم رأيت الذين اخذوا مقعدهم أمامي قاموا فنظروا إلى جزيرة نمر بها، ولكنا لا نقف عندها، ثم أخرجوا من جيوبهم مناديل أمسكوا بها من طرفها، ورأيتهم يشيرون إلى بعض الواقفين على هاته الجزيرة، وينادونهم نداء الوداع، والآخرين يشيرون هم كذلك بمناديلهم حتى غاب القارب عن أنظارهم، فجلس أصحابي وعلى ثغورهم ابتسامة تطوقها.
وأخيرا وصلنا إلى القمم الثمان، وقد اختبأت وراءها الشمس، وصرنا ننظر من ذلك المضيق الذي نحن فيه، فتجلت أمامنا البحيرة وما حولها، ويأخذ بالعين ذلك المنظر الحلو حتى لنود لو يبقى القارب في مكانه حتى حين، ولكن القارب يسير غير وان إلى غايته بنا سريعا إلى انترلاكن.
15 سبتمبر 1910
كنا مع صديق يحكي لنا وقائع سكره وفتكه بالنساء، وكم كان - جازاه الله - حلوا في حكاية وتنسيق وقائعه، كما كان كثيرها إلى حد ما تصورته من قبل أبدا، وقال لنا كذلك سبب تركه الصلاة التي كان يحافظ عليها محافظة الناسك؛ ذلك أن دخل مرة سكران والساعة الثالثة بعد نصف الليل، ولم يكد يضع رأسه فوق مخدته حتى جاءه أبوه يناديه لصلاة الفجر، فقام وأخذ دشا يطهر به وصلاها، فانتابته حمى ظل في أثرها شهورا، فحلف من بعدها أن لا يصلي؛ إذ إنها الصلاة جاءته بها ... ثم انتقلنا بعد ذلك لحديث آخر جاء في خلاله أن تلوت آية من القرآن، فنظر هو إلي وقال: أولا ... أنت طاهر؟
ذكرني في ذلك بنادرة حلوة من مثل هذه ... كنت في إنجلترا وصديق يترافع عن الدين الإسلامي أمامي مرافعته أمام من لا يدين بذلك الدين، يدافع بكل قواه وينصر المبادئ التي قررها ، وأنا أوافقه أغلب الأحيان فلا يزداد إلا حدة واندفاعا.
هو الدين الإسلامي أطلق للناس العنان، وحلهم من قيود كثيرة كانوا يرزحون تحتها، وجعلهم أحرار الفكر يعملون بما يهديهم عقلهم، كما ضمن لهم في تعاليمه السعادة ووضع لهم قواعد محكمة ... إلخ ... إلخ ...
فلما أنهكه التعب وجاء عليه اللغوب التفت إلي قائلا: الواحد تعب ... تعال يا شيخ نأخذ كاس وسكي.
Page inconnue