L'Égypte au début du XIXème siècle 1801-1811 (Première Partie)
مصر في مطلع القرن التاسع عشر ١٨٠١–١٨١١م (الجزء الأول)
Genres
ثم انتقل «مسيت» من ذلك إلى لفت نظر الوزير إلى حالة الإسكندرية والشواطئ المصرية الخالية من وسائل الدفاع عنها، وإلى المنافسات والانقسامات السائدة بين المماليك، في الوقت الذي يملك فيه العدو (أي فرنسا) أكثر الشواطئ والموانئ الإيطالية، مما يخشى معه من وقوع غزو على هذه البلاد، زد على ذلك المؤامرات التي يحيكها العملاء والوكلاء الفرنسيون لاستمالة أفراد معينين من بين مسيحيي الإسكندرية لخدمة المصالح الفرنسية، ثم ما يحدثه من أثر عدم اهتمام إنجلترة الظاهر بمصر على الأهلين الذين صاروا يعتقدون أنها لا تهتم بمصير هذه البلاد بدليل أنها لم ترسل مركبا حربيا إلى الإسكندرية مع وجود أسطول كبير لها في البحر الأبيض.
وفي 19 يونيو بعث «مسيت» إلى «فوكس» بتفاصيل مفاوضة مندوبي الألفي في القسطنطينية، وأن القبطان باشا قد أبحر منها لتنفيذ الخطة التي تم الاتفاق عليها، ثم قال: «ولو كان الألفي يسعى وراء المصلحة حقا وإعادة السلام والهدوء إلى مصر، ولو كان غرضه الرئيسي من اتفاقه مع الحكومة العثمانية ليس خدمة مآربه الشخصية والاستئثار بالمنفعة لصالحه الخاص هو وحده فحسب، لصار نجاح هذه الحملة (حملة القبطان باشا) محققا، ولكن الألفي لم يكن له من مسعاه سوى غرضين؛ إشباع مطامعه، وإرواء كراهيته لعثمان بك البرديسي؛ ولذلك فقد اشترط لنفسه أن يرفع هو إلى مشيخة البلد بالاشتراك مع إبراهيم بك، ولا ينتظر أن يقبل هذا الأخير وقد تمتع بهذا المركز سنوات عديدة أن يقبل معه في المشيخة شخصا أقل منه منزلة، كما أن عثمان بك حسن وهو أقوى البكوات وأكثرهم احتراما بين قومه، قد تعين أميرا للحج، وهذه مهمة سوف تعرضه كل عام لمتاعب وأخطار الرحلة الشاقة عبر الصحراء ولا تتناسب مع سنه المتقدمة، ومع ذلك، فإن إبراهيم بك وعثمان بك حسن حكيمان ومن المرجح أنهما يقبلان في الوقت الحاضر هذا الترتيب، ولكن المعارضة والمقاومة الشديدتين سوف تأتيان من ناحية عثمان البرديسي الذي لم يعط له أي نصيب في الحكومة، وينظر إليه المماليك كممثل لمراد بك مما يجعله صاحب سيطرة وسلطة، أضف إلى هذا حب المماليك له بسبب شجاعته وكرمه؛ وعلى ذلك، فإذا حدث أن انضم إليه الأرنئود، ولا شك في أنه سوف يحاول عقد مثل هذه المحالفة، صار من المتعذر إعادة النظام لمدة طويلة.»
وذكر «مسيت» في هذه الرسالة أن «دروفتي» حين وصول أخبار هذا الترتيب بادر بإرسال من يخبر به البرديسي ويعرض عليه مساعدة فرنسا له إذا هو تصدى لمقاومة الألفي، كما عرض ذلك أيضا على محمد علي، وكان تعليق «مسيت» على ذلك أن تلقي هذه المقترحات من جانب فرنسا يكفي وحده ودون عوامل أخرى لإغرائهما على المقاومة، وقد وجد «مسيت» لزاما عليه حينئذ أن يحذر الألفي من مساعي أعدائه، فكتب إليه في 20 يونيو، يبلغه خبر المؤامرة التي تحيكها فرنسا مع محمد علي والبرديسي من أجل مقاومته، وأن الحكومة الفرنسية قد بعثت برسولين أحدهما إلى عثمان البرديسي والآخر إلى محمد علي تعد كليهما على لسان هذين الرسولين بتأييدها لهما إذا هما قاوما بالقوة مشيخة الألفي وتأسيس حكومته.
وقد تحققت ظنون «أربثنوت» و«مسيت» ومخاوفهما من فشل الاتفاق الذي تم دون إشراك السفارة الإنجليزية في القسطنطينية فيه أو استشارتها في الأسس التي قام عليها، ولم يكن غرض كتخدا الألفي أو ترجمانه «ستافراكي» من نقل خبره إلى السفير بعد الفراغ منه سوى جعل «أربثنوت» يدفع المبلغ المطلوب أو على الأقل حصولهما على ضمانته له؛ أي تعهده بدفع المبلغ إذا تعذر على الألفي لسبب من الأسباب دفعه، ولما كان «أربثنوت» قد رفض الدفع أو إعطاء ضمانته، فقد بقي تنفيذ الاتفاق من جانب الباب العالي (أي إعادة تأسيس سلطان البكوات في مصر وطرد محمد علي والأرنئود منها) مرتهنا في ظاهره على الأقل بدفع السبعمائة والخمسين ألف قرش (أو ال 1500 كيس) المتفق عليها؛ لأن محمد أغا لم يدفع منها شيئا، وصارت مهمة القبطان باشا الأولى عند حضوره بأسطوله إلى الإسكندرية تحصيل هذا المبلغ.
مهمة القبطان باشا
وأما الباب العالي فكان قد اختار - على نحو ما ذكره «روفان» في رسالته إلى «تاليران» في 10 يونيو عزت محمد علي باشا الصدر الأعظم السابق، والقبطان صالح باشا الذي عين حديثا في منصبه، وموسى باشا والي سالونيك للذهاب إلى مصر وتنفيذ الاتفاق الذي تم مع مندوبي الألفي، ولكن الأول رفض، وقبل الأخيران، وفي 12 يونيو سنة 1806 قابل القبطان صالح باشا السلطان مستأذنا في السفر بحضور الصدر الأعظم حاميه محمد علي باشا السلحدار وكبار وزراء الدولة، وفي 13 يونيو خلع الباب العالي كسوة الفرو على مندوبي الألفي تأييدا لقراره بإعادة تأسيس مشيخة البكوات وحكومتهم في مصر، وفي 19 يونيو عقد الوزراء العثمانيون اجتماعا غير عادي حضره خمسة وثلاثون من رؤساء المصالح لبحث مسألة الوهابيين الذين ذاع أنهم احتلوا مكة والمدينة، وقر الرأي من بين ما اتخذ من إجراءات أخرى على تكليف موسى باشا الذي عين مؤخرا في مكان محمد علي باشا المنقول إلى سالونيك، بأن يمد الجند المستخدمين ضد الوهابيين بكل ما تقتضيه مؤازرتهم من مؤن وإمدادات ونقل ذلك إليهم، وفي 24 يونيو أبحر القبطان صالح باشا، وقد تألفت عمارته من اثنتي عشرة قطعة فحسب بدلا من الست عشرة التي خصصت أصلا للسفر؛ حيث بقيت منها أربع قطع كانت تؤلف القوة الرئيسية بقيادة بكير بك نائب أمير البحر مرابطة أمام السراي السلطانية في «بيشكاطش»، وكانت الفرقاطة «جوستيس»
Justice
الفرنسية التي أعطاها الإنجليز للأتراك عند جلاء الفرنسيين عن مصر، سفينة القيادة وعليها القبطان باشا نفسه، وأما سائر الأسطول فكان يتألف من أربع بوارج من ذوات الخمسين مدفعا وثلاث فرقاطات وقراويت ثلاثا، وجاء في النشرة الإخبارية الصادرة بالقسطنطينية في 26 يونيو أن الغرض من ذهاب القبطان باشا هو الوصول إلى الإسكندرية والبقاء بها حتى يتنفذ الاتفاق في صالح المماليك.
وكانت قد وصلت إلى الإسكندرية فرقاطتان وقرويت كمقدمة لأسطول القبطان باشا منذ 14 يونيو، كما وصل في الوقت نفسه ططري من قبل السفير الإنجليزي بالقسطنطينية يحمل رسائل إلى «مسيت» الذي أوفد من فوره الرسل إلى معسكر الألفي بحوش عيسى يبلغه نجاح كتخداه في إبرام الاتفاق مع الباب العالي، والبشارة بالرضا والعفو للأمراء المصرية في الدولة بشفاعة الإنجليز فأذاع الألفي هذه الأخبار، وقال «دروفتي» تعليقا على ذلك في كتابه إلى «تاليران» من الإسكندرية في 16 يونيو: «إن المعتقد أنه قد وصلت الألفي تأكيدات قاطعة بأن السلطان العثماني قد اختاره لحكومة مصر بالاشتراك مع باشا يقيم في القاهرة له نفس الوظائف التي كانت للباشا في العهد السابق.» واقتنع «دروفتي» - وكان مخطئا فيما ذهب إليه - بأن مكائد ونفوذ أعداء فرنسا كانت السبب الذي جعل الباب العالي يرضى بأن يسترجع البكوات سلطتهم، ولم يدهشه ذلك عندما توهم الباب العالي أنه سوف يسترجع هو الآخر بهذه الوسيلة سلطته المفقودة في مصر ويحصل منها على خراج سنوي كبير؛ ولذلك فمن المعتقد - كما استمر «دروفتي» يقول - إنه إذا ضمن الإنجليز - كما يقال هنا - قيام البكوات بدفع خراج قدره أربعة ملايين قرش سنويا (أي ثمانية آلاف كيس) فإن الباب العالي سوف يوافق على هذا الترتيب، ولكنه من المدهش حقا أن يرضى الباب العالي بإعطاء الألفي كل هذه السلطة العظيمة في النظام الجديد؛ لأن ذلك من شأنه وضع كل موارد البلاد في أيدي الإنجليز حماة الألفي، ولا ريب في أن هذه الخطوة إنما تتعارض مع مصالح تركيا نفسها وضدها.
وأما القبطان باشا نفسه فقد وصل إلى الإسكندرية في 27 يونيو 1806 ويتألف أسطوله الذي حضر به فعلا من بارجة ذات أربعة وستين مدفعا وثلاث فرقاطات ومركبين من نوع القرويت ويحمل خمسمائة جندي فحسب من النظام الجديد، وقد حضر مع القبطان باشا كذلك محمد أغا كتخدا الألفي وسليمان أغا وبعض رجال الدولة، وفي 19 يوليو وصل موسى باشا إلى الإسكندرية، وكانت كل القوة التي أتى بها لا تزيد على أربعمائة رجل مسلحين تسليحا رديئا وفي حالة سيئة عموما، وكان القبطان بمجرد وصوله قد بدأ ينفذ ما لديه من تعليمات، وانحصرت مهمته في أمرين: إبلاغ محمد علي أمر نقله إلى سالونيك وحمله إذا استطاع إلى ذلك سبيلا على تلبية أوامر الباب العالي والذهاب إلى منصبه الجديد، ثم تحصيل مبلغ السبعمائة والخمسين ألف قرش التي جرى الاتفاق عليها مع مندوبي الألفي وكفلها محمد كتخداه يدفعها لقبطان باشا عند وصوله بيد سليمان أغا وكفالته أيضا لمحمد أغا، والعمل على إقامة الوضع الجديد؛ وعلى ذلك فقد سلك في نشاطه طريقين: أحدهما مع محمد علي، والآخر مع الألفي وسائر البكوات، وتوقف نجاحه وإخفاقه في مهمته على استجابة الأول لمطلب الباب العالي، ومبادرة الآخرين بجمع صفوفهم ونبذ خلافاتهم ظهريا وإنهاء انقساماتهم حتى لا تضيع هذه الفرصة السانحة، كما ضاعت الفرص السابقة منهم، لاسترداد سيطرتهم البائدة، ثم المبادرة قبل كل شيء بدفع المبلغ.
Page inconnue