Min Shuquq Zalam
من شقوق الظلام: قصة سجين أكثر ما يؤرق فيها أنها لم تنته بعد
Genres
بكل صدق يمكن أن يحتويه قلب القديسين، تمنيت حينها ألا يجلس في محلي ذاك أحد من بعدي.
6
في ليلة طال صبرهم كثيرا شعرت بقرارهم المسبق أنها سوف تكون ليلة للتأريخ، توسلت فيها بشدة للشمس أن تشرق لكنها أضاعت الاتجاهات فظلت تدور في صحراء الظلمة تائهة كتيه بني إسرائيل. تركتني معلقا في الهواء لأكثر من أربع ساعات كما خمنت ذلك فيما بعد، ينزلون بي صنوف العذاب بلا كلل ولا ملل، لم يهدءوا ولا فتروا ولا لهنيهة واحدة. صرت واثقا من إرادتهم وتصميمهم على وضع خاتمة لقضيتي هذه الليلة بأي طريقة تصل إليها أيديهم، ولو كلفهم ذلك القضاء علي وإزهاق روحي. لن أرجع وأكرر شرح وسائل التعذيب التي استعملوها معي، لكن أقول ليلتئذ أعلنت التحالف بينها واتفقت في تلك الأمسية الطويلة أن تزورني جميعها. أصبحت عاجزا حتى عن الصراخ من الألم، وفقدت الشعور بالكثير من أجزاء جسدي بما أصابها من خدر، إلا رأسي كان نشطا فعالا لأقصى ما يمكن له كما لو أنه كان يستمد طاقته من العذاب الذي عطل كل شيء غيره. واصلت الاستمرار بالتركيز الشديد والتفكير بعمق، كيف لي أن أتخلص من عصفهم القاتل في هذه الليلة التي لا فجر في آخرها؟
وأنا على هذا الحال تذكرت كراس لينين «ما العمل؟»
سألت نفسي: «ما العمل الآن؟» الأمر لا يحتاج إلى الصمود فقط، ولا الأحلام هي منقذي الأسطوري؛ لأني اقتنعت حينها أن لا أحد معني بي حتى السماء هربت من وظيفتها، لا بد من حل سحري للخروج من هذه الحفرة التي وضعت فيها، وأي حفرة هي؟ كأنها جراب محكم الشد مملوء حد الطفح بضحكات سخريتهم المدوية وثورات غضبهم العارمة.
لا أعرف بالتحديد من الذي قال: «أعطني مسرحا أعطيك شعبا مثقفا.» إنما هذا هو أوانها بالضبط، لماذا لا يكون المسرح هو المفر من هذا الكابوس المتسلسل بلا نهاية؟ هكذا كنت أحدث نفسي وأقول لجسدي: تماسك وتحمل مزيدا من العذاب، ولنجرب لعبة الفرار من الموت بادعاء الموت. سوف يكلف ذلك مزيدا من الألم، لا تخف منه، ولم الخوف؟ أولسنا غارقين فيه؟ فما الضير من سحابة أخرى تمطر على البحر، هل ستزيده بللا؟ ما عدت أصدق أن هناك جسدا يقوى على ما قويت عليه حتى الساعة من تحمل كل هذه الآلام، وإذا كان بمقدوري تجرع كل هذا، فلماذا لا أحاول تجرع المزيد منه لعل في ثمالة الكأس الخلاص؟ بدأت بتركيز كل قواي العقلية استعدادا لأداء دور المحتضر عسى أن تنجح المسرحية ويتوقف هذا العبث، وأنتهي من نزيف الوحشية. استجمعت تركيزي، رفعت الستارة وبدأ العرض.
المشهد الأول: لم أعد أستجيب للأذى الذي كانوا يلحقونه بي؛ كل همجيتهم وقسوتهم المنصبة التي كنت أواجهها بالصراخ استبدلت الرد عليها بكتمان الألم، عندما أقول كتمان الألم فإني أعنيه حرفيا؛ إذ ابتلعت الألم تماما وحفرت في داخلي أخدودا عميقا لابتلاعه كاملا بلا مضغ، كما يفتح الحوت فاهه ويبتلع أسرابا من السمك، وهناك في أحشائه تدور معركة الطحن ويسحق فريسته، يكتم هذا عن كل العالم، وهكذا فعلت. لم أعد أستجيب لأي ضربة هراوة تجلدني، ولم تعد تلسعني أي سيجارة تطفأ في أليتي وكأني فقدت الإحساس.
المشهد الثاني: أطلق أنينا خافتا، وأتوجه بآهات بنسق واحد لا يتغير، سواء شنوا غزوة على جسدي أو تركوه ينعم بسلام هدنة هم من يحدد وقتها. لم يصدقوا في البدء ما كنت أؤديه من تمثيل استنادا لخبرتهم الواسعة في التعذيب، حاولوا كثيرا استفزازي للخروج من هذا العرض المسرحي بوسائل شتى، حتى إنهم جاءوا بآلة كأنها خازوق كهربائي، لكن لم أستجب لكل إغراءات الصراخ بصوت عال. أشحت بأعصابي، بل بكل عقلي عنها خشية أن أعيش جوها وأسقط في الكمين، رحت أحاول التفكير في أشياء أخرى بعيدة جدا عما كنت فيه، أشياء أخجل الآن أن أكتبها حتى لا أتهم بالسفاهة أو الجنون، لكن هذا ما حصل، بل إني انغمست في تأملها لدرجة أنا لحد الآن لا أصدق نفسي كيف جرى كل ذلك!
تململ البعض منهم من الوضع الجديد الذي بت فيه، وارتعش آخرون خوفا من أن أكون فعلا على وشك الفراق الأبدي لهذه الدنيا، وأن أكون صرت ضحية لعصيهم بدون أمر من جهة مخولة بتصفيتي. هنا فهمت أن قرار الموت تحت التعذيب لم يكن مسموحا به بشكل جزافي، واستنتجت أنه لا يحصل إلا بأمر من الضابط الكبير المسئول عن ملف القضية. دار نقاش بينهم كنت أصغي له بتركيز شديد، حتى قال أحدهم: «أنا غير مسئول بعد الآن عما يحصل، لنبلغ السيد الضابط وهو يتخذ القرار.»
زادني هذا الحوار تصميما وعزما، وقلت في سري: هيا امض قدما في اللعبة أكثر وأكثر؛ إنها تؤتي أكلها. إذن ها هو المسرح ينتج فكرة تخرج واقعا جديدا. الهمس الدائر بينهم صار حوارا مرتفعا، ثم غدا أشبه ما يكون بالشجار، عاد علي ذلك بالراحة، ليس النفسية فقط وارتفاع المعنويات، بل براحة جسدية أيضا؛ حيث توقف الركل والضرب بالكامل. لم يستمر الخصام بينهم طويلا؛ إذ كان لا بد من مرجع يفصل فيما تنازعوا به، وجاء من يفض النزاع بكلمة فيصل منه بعد أن وصله الخبر عن طريق أحدهم.
Page inconnue