De la transmission à la création (Volume 1 La transmission): (2) Le texte: la traduction - le terme - le commentaire
من النقل إلى الإبداع (المجلد الأول النقل): (٢) النص: الترجمة – المصطلح – التعليق
Genres
Aristoxenus
ينكر كل ما هو مفارق؛ فالروح اسم خاو من كل معنى، والطبيعة تفسر كل شيء. وهذا أيضا يصب في أصحاب الطبائع لدى متكلمي المعتزلة. وقد تم صب تصورات الوافد في بنية تصورات الموروث، ليس فقط في العقليات، بل أيضا في السمعيات خاصة في الأخرويات وأمور المعاد ، مثل الحساب والعقاب، ابتداء من شرح المفارقة.
وفي «التجربة الطبية» لجالينوس يظهر التصور الديني للعالم للحضارة المترجم إليها حتى ولو كان المترجم نصرانيا ينتسب إلى دين آخر، ولكن يشارك في نفس التصور، خلق الله للعالم وعنايته به، وبدونهما يكون الكفر بالله والجحد بوجوده.
29
وفي «جوامع كتاب النواميس» له أيضا يخاطب الله الملائكة، كما خاطبهم القرآن وقال لهم قولا علميا، أنهم مكونون وليسوا غير فاسدين، ولكنهم لا يفسدون بمشيئة ربهم وعنايته. وهم وسائط بين الله وبين عالم الحيوان الفاني، ومبلغون لإرادة ربهم، ولكن خلق النفس الناطقة مثل الملائكة منذ ابتداء الخلقة لا تموت، وجعلها خارج الأمزجة والكون والفساد. وأمرهم الله بالصلاة عليها. وأول ما خلق الله عز وجل الإنسان خلق الرأس وجعل فيه دورين إلهيين، النفس والعقل، والملائكة دور واحد هو العقل. وخلق النفس الناطقة لا تموت، وكساها بدنا ميتا. وخلق الله أنواعا من النفس الشهوية والغضبية مرتبطا بها مثل اللذة والغضب، ومزجهما بالحس العديم المنطق والشهوة المنقصة، فأصبح الجنس قابلا للموت. وجعل الخالق تبارك وتعالى النفس الشهوانية في الكبد. وجعل المدبر الإلهي النفس الناطقة سبب سعادة الإنسان، إذا ما سيطرت على النفس الشهوانية والنفس الغضبية. وخلق الدماغ من مثلثات ملس لا عوج فيها؛ نظرا لأن النوع الإلهي يسكن فيها. وخلق الله تبارك وتعالى العظام من الأرض أجزاء نقية مسحوقة، ونخلها وخلط بها مخا أو عجنها، ثم أدخل العجين في النار، ثم أدخله الماء ثم إلى النار مرة ثانية، ثم إلى الماء فأصبح غير ذائب؛ لذلك صارت العظام جافة لا تنثني. وخلق الله الفم لأمرين: أحدهما اضطراري في الحياة، وهو الأطعمة والأشربة واستنشاق الهواء. والثاني لما هو أفضل، وهو النطق. كما جعل الخالق الأظفار للحاجة الاضطرارية في الحيوان. وخلق الله عز وجل النبات لغذاء الإنسان، وجعل فيه نوعا واحدا من أنواع النفس وهو النباتي (الشهواني). وخلق الله تبارك وتعالى أولا الرجل، فمن أخطأ في سيرته وتجاوز العدل واستعمل الجور، خلقت المرأة ثم خلق الله في الرجل شهوة الجماع، وخلق الأرحام للنساء والمني للرجال ومرض اختناق الأرحام. وجعل الله الجنس الطائر من الذين عنايتهم مصروفة إلى النظر في الآثار العلوية، والجنس المشاء من الذين جمعوا بين النقيضين السعادة والشقاء، والجنس الزاحف من الذين لم يستفيدوا أصلا من التعاليم، والجنس السابح من الذين هم في غاية الجهل والفضيلة؛ فمراتب الخلق مراتب المعرفة والكمال. وكما حول جالينوس محاورة طيماوس لأفلاطون في الطب، جعلها المترجم في الخلق.
30
وتظهر بعض التصورات المشتركة في النص الأصلي، والنص المنقول يجعل نقل أحدها إلى الآخر سهلا ميسورا. وذلك مثل النص الأصلي المتعلق باليقين الحادث من الخبر المروري من الكثير، مثل وجود مصر والإسكندرية، وهو معروف في الحضارة المنقول إليها النص الأصلي باسم التواتر. ويمكن لحضارتين مختلفتين، اليونانية والإسلامية مثلا، الوصول إلى نفس الحقائق؛ فالعقل الإنساني واحد، والطبيعة البشرية مطردة. وربما ظهرت وحدة العقل والطبيعة عند اليونان، ووحدة الوحي والعقل والطبيعة عند المسلمين.
31
ولا تعني عملية الاحتواء، إرجاع الوافد إلى الموروث وتمثل الموروث للوافد، إرجاع علوم الحكمة إلى حظيرة الدين، وأن الدين قد احتوى كل شيء، كما هو الحال في الحركة السفلية القديمة والمعاصرة؛ وبالتالي ينهدم العقل بعد أن تم كسبه وإثباته. إنما هو رد فعل على الاستشراق وتفريغ الحضارة الإسلامية من مضمونها عن طريق الأثر والتأثر. ليس الوافد هو الذي أثر في الموروث فأنتجه، بل إن الموروث هو الذي أعاد إنتاج الوافد، باحتوائه وتمثله ووضعه في تصور أعم وأشمل، ووضع العقل وحده في العقل والنقل.
كان دور العرب في إنشاء النهضة في أوروبا عن طريق الترجمات العقلانية الكاملة، التي تعبر عن منظور حضاري إسلامي بعد أن تم احتواء التصور اليوناني. ويعترف الوعي الأوروبي بلا تردد بدور التراث الإسلامي في تكوين الوعي الأوروبي في عصر النهضة، ويعطي الأولوية للعامل الداخلي على العامل الخارجي، للموروث الأوروبي على الوافد الإسلامي. ثم يعود في المرحلة التالية في الترجمة من اللغات الأوروبية إلى العربية في القرن الماضي، ويؤكد أثر الوافد الأوروبي على الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة، منكرا الإبداع الذاتي ومعطيا الأولوية للوافد على الموروث . ويدل ذلك على المعيار المزدوج في الوعي الأوروبي الذي يطبق به فهم الأثر والتأثر. ولا تهمنا الترجمات اللاتينية والعبرية للنصوص العربية المفقودة؛ لأننا الأولى بها، إنما تدل على طبيعة العمليات الحضارية التي تهم الحضارتين العبرية واللاتينية بالأساس، وتهمنا نحن بالفرع والمقارنة؛ لنعرف ماذا أسقطت هذه الترجمات وماذا أضافت؛ فهي عمليات حضارية سالبة بالنسبة لنا، وموجبة بالنسبة لغيرنا. كما أن تأثير ابن رشد في اللاتين جزء من دراسة الفكر العربي، للتعرف على مصادره، امتداد الحضارة الإسلامية في غيرها من الحضارات، وأثر الإنسان في الآخر؛ فقد صارت مشكلة وحدة العقل الفعال وقدم العالم عند ابن رشد أهم مشكلة في الفلسفة المدرسية.
Page inconnue