Méthodologie de l'Imam Bukhari
منهج الإمام البخاري
Maison d'édition
دار ابن حزم بيروت
Numéro d'édition
الأولى
Année de publication
١٤٢٢ هـ - ٢٠٠٠ م
Genres
ـ[منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث وتعليلها (من خلال الجامع الصحيح)]ـ
المؤلف: أبو بكر كافي
الناشر: دار ابن حزم
الطبعة: الأولى، ١٤٢٢ هـ / ٢٠٠٠ م
عدد الأجزاء: ١
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي]
_________
أصل الكتاب أطروحة ماجستير في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر بإشراف الدكتور حمزة عبد الله المليباري
1 / 1
الإهداء
إلى من أمرني الله ببرهما وطاعتهما والإحسان إليهما، إلى والديَّ الكريمين..
إلى كل مسلم يحب سنة رسول الله ﷺ ويدافع عنها، ويعمل بها..
أهدي هذا العمل المتواضع.
أبو بكر
1 / 5
شكر وتقدير
أصل هذا الكتاب رسالة علمية، نال بها صاحبها شهادة الماجستير في الحديث وعلومه، من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة الجزائر بتقدير مشرف جدًا، وذلك في ١٩ شوال ١٤١٨هـ، الموافق لـ ١٦/ ٢/ ١٩٩٨م.
ولا يسعني في هذا المقام، إلا أن أتقدم بجميل الشكر إلى كل من ساعدني في إنجاز هذا البحث من أساتذة وطلبة.
وأخص بالذكر فضيلة الأستاذ " حمزة عبد الله المليباري "، فقد بذل جهده ووقته في متابعة هذا البحث من أوله إلى آخره، ولم يبخل علي بملاحظاته وتوجيهاته القيمة، مما كان له حافزًا قويًا على إتمام هذا البحث، والصبر على مشقته.
كما أتقدم بالشكر إلى أصحاب الفضيلة الأساتذة أعضاء لجنة المناقشة:
د. محمد عبد رب النبي.
د. محمد خالد اسطنبولي.
د. نصر سليمان.
كما أتقدم بشكري الجزيل لإدارة معهد أصول الدين خصوصًا والقائمين على الجامعة عمومًا.
وفي الأخير أتوجه بالشكر إلى إخوتي الكرام:سليم، ياسين، ومروان
1 / 7
الذين بذلوا معي جهدًا كبيرًا، وصبرًا جميلًا في كتابة هذه الرسالة وتصحيحها وإخراجها على هذه الصورة الجيدة.
1 / 8
المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد..
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد ﷺ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) . [آل عمران: ١٠٢] .
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا) [النساء: ١] .
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا) . [الأحزاب: ٧٠، ٧١] .
1 / 9
من المتفق عليه بين المسلمين أن السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي بعد القرآن الكريم، ولهذه المنزلة العظيمة التي تتبوؤها السنة كانت ولا تزال محل عناية كبيرة من علماء المسلمين عمومًا والمحدثين على وجه الخصوص، فإنهم لم يدخروا وسعًا ولم يألوا جهدًا في سبيل المحافظة عليها، وإبقائها سليمة من تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين، فوضعوا لذلك منهجًا علميًا متميزًا وفريدًا كان هو المعيار الذي توزن به الأخبار، وكان هذا المنهج نتاجًا لجهود عظيمة بذلها أئمة الحديث وحفّاظه من لدن الصحابة إلى أن استقرت قواعده، ورست أركانه، واتضحت معالمه، وأينعت ثماره في القرن الثالث الهجري.
وكان من الأئمة الذين أسهموا في تشييد دعائم هذا المنهج الإمام الكبير أمير المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري (رحمه الله تعالى) ولم تكن إسهامات هذا الإمام واضحة، لأنها لم تكن قواعد نظرية مجموعة في كتاب، وإنما كانت أعمالًا وتطبيقًا لتلك القواعد في ثنايا كتبه الكثيرة، ولعل أبرز كتب هذا الإمام بل أبرز كتب الحديث على الإطلاق - الجامع الصحيح - ففي هذا الكتاب ظهرت عبقرية هذا الإمام، فهو تطبيق عملي ودقيق لقواعد هذا المنهج، فكان بحق أصح كتاب بعد كتاب الله، فجاء هذا البحث ليستخرج ويستنبط أسس المنهجية التي يستعملها البخاري ﵀ في تصحيح الأحاديث وتعليلها. وهذه القواعد جاءت مطبقة في كتابه ولم يصرح بها وإنما يستعان على كشفها بأقوال العلماء ممن اهتموا بالجامع الصحيح شرحًا وتعليقًا واستدراكًا وانتقادًا.
وهذا البحث محاولة للكشف عن منهج الأئمة النقاد في موضوع " النقد الحديثي " على اعتبار أن الإمام البخاري من أبرز هؤلاء الأئمة، والمسلّم له بالتقدم والمتمكن في هذه الصنعة.
والمنهج الذي سلكته في هذا البحث هو المنهج التحليلي المقارن، وذلك باستقراء صحيح البخاري وأخذ الشواهد والأمثلة وتحليلها لاستخراج ما يكمن فيها من قواعد، ثم مقارنة هذه النتائج بمواقف أئمة معاصرين للبخاري
1 / 10
كالإمام مسلم والترمذي وأبي حاتم وأبي زرعة، أو من جاء بعده كالدارقطني والبيهقي وغيرهما. حتى يتسنى لنا معرفة مدى توافق هذا المنهج أو اختلافه من إمام إلى آخر، ثم مقارنة هذه النتائج كلها بما استقرت عليه كتب المصطلح لمعرفة مدى التباين والتوافق بين الجانب التطبيقي عند الأئمة النقاد والجانب النظري عند كثير من المتأخرين من أئمة الكلام والفقه والأصول.
أما الأسباب التي جعلتني أختار هذا الموضوع المتعلق أساسًا بالنقد الحديثي فهي:
١) الغموض الذي ما يزال يكتنف هذا الموضوع بين الدارسين للعلوم الشرعية عمومًا والمهتمين بعلوم الحديث على وجه الخصوص، وبسبب هذا الغموض انتشرت كثير من النظريات الخاطئة، والمناهج المضطربة في " نقد السنة " وأصبحت ظاهرة تصحيح الأحاديث وتعليلها في ظل غياب منهج واضح موحد تنتشر يومًا بعد يوم مسببة آثارًا سيئة في فكر المسلمين، وعقائدهم وواقعهم.
٢) حبي الشديد لسنة النبي ﷺ وشغفي بكتب الحديث وخاصة صحيح البخاري، وإعجابي بعبقرية هذا الإمام ودقة منهجه.
٣) المساهمة في تقريب الاستفادة من كتب السنة، وذلك بتوضيح مناهجها ومقاصد مؤلفيها.
٤) المساهمة في تقريب الاستفادة من كتب علل الحديث، فهي على كثرتها وتنوعها صعبة التناول والاستفادة، وذلك للاختصار في بعضها كعلل ابن أبي حاتم، أو التطويل بذكر وجوه الخلاف كعلل الدارقطني، أو باختلاط مباحثها بمباحث الجرح والتعديل في كثير منها. والملاحظة العامة حول هذه الكتب أنها لا تصرح بذكر الحكم على الحديث، وفي كثير من الأحيان تشير إلى الحكم بعبارة أو عبارتين دون بيان أسس هذا الحكم، أي ما يعرف في هذا العلم بـ "قرائن الترجيح ".
وقد حرصت في هذا البحث وخاصة في القسم الثاني منه " منهج
1 / 11
التعليل " على توضيح قرائن الترجيح عند الإمام البخاري أو غيره من الأئمة، وهذا مما يعين على فهم كلامهم والاستفادة من كتبهم.
٥) قلة الدراسات الأكاديمية حول هذا الموضوع بخصوصه، فالدراسات السابقة في هذا الموضوع - في حدود علمي - تكاد تكون منعدمة إذ كانت جل الدراسات التي تناولت الإمام البخاري محدثًا أو فقيهًا إنما تناولته على سبيل السرد التاريخي المنقبي أو التتبع الفقهي الفروعي وليس هناك دراسات اهتمت بتوضيح منهج الإمام البخاري في علوم الحديث.
ولعل أهم دراسة علمية في هذا المجال هي " الإمام الترمذي والموازنة بين جامعه والصحيحين" رسالة دكتوراه لنور الدين عتر، وواضح من خلال العنوان أنها تناولت الإمام الترمذي أصالة والبخاري ومسلمًا على سبيل التبع والمقارنة، أضف إلى ذلك أنها كانت منصبة على النواحي الفقهية دون الغوص في القواعد والأسس، ولا أدعي أن هذه الدراسة التي أقدمها قد وصلت إلى الأهداف التي كنت أرومها، ولكن حسبي أن أقترب منها، فقد حاولت غاية جهدي أن أفصل في كثير من المباحث والقضايا التي تناولتها مجانبًا للهوى متحريًا الحقَّ والصواب، وأحيانًا أتوقف في بعض المسائل لعدم قيام الأدلة الكافية للجزم فيها بحكم معين.
ولعل أهم شيء تقدمه هذه الدراسة، أنها جمعت فوائد كثيرة كانت متفرقة في ثنايا كتب علوم الحديث والشروح وكتب العلل مما يتعلق بمنهج البخاري في صحيحه. ونسقت بينها في وحدة موضوعية مما يقرب (إن شاء الله) الاستفادة منها، وأرى من الواجب علي أن أعترف بأن كل ما في هذا البحث هو ثمرة علمائنا، وجهود سلفنا ليس لي فيه إلا الجمع والترتيب وبعض التوضيحات التي تبين مقاصد كلامهم، وتربط بين أقوالهم.
وعلى رأس هؤلاء العلماء الذين استفدت منهم استفادة عظيمة، الإمام الحافظ ابن حجر ﵀ الذي عكفت على مطالعة شرحه العظيم لصحيح البخاري " فتح الباري " واستخرجت من ثناياه كنوزًا ودررًا، وكذلك
1 / 12
استفدت كثيرًا من كتابه " النكت على مقدمة ابن الصلاح " وغيرها من كتبه.
كما كان لكتب العلل كـ " العلل الكبير " للترمذي، و" العلل الصغير وشرحه " لابن رجب و" الإلزامات والتتبع " و" علل ابن أبي حاتم " و" علل الدارقطني " و" علل ابن المديني " إسهام كبير في بناء هذا البحث.
واستعنت بكتب الجرح والتعديل منها " التاريخ الكبير " و" الجرح والتعديل " لابن أبي حاتم الرازي و" تهذيب الكمال " للمزي و" تهذيب التهذيب " و" التقريب " للحافظ ابن حجر وغيرها، كما استفدت من كتب المصطلح في المقارنة وشرح ما يغمض من كلام الأئمة ومن أهمها "مقدمة ابن الصلاح " و" التقييد والإيضاح " للعراقي و" فتح المغيث " للسخاوي وشرح النخبة وغيرها.
كما لم أهمل الاستفادة من كتابات بعض المعاصرين وتحقيقاتهم وتخريجاتهم كتحقيق الشيخ مقبل بن هادي لكتاب الإلزامات والتتبع، وتحقيقات السامرائي وتخريجات الأرناؤوط والشيخ الألباني ودراسات أحمد نور سيف والدكتور حمزة عبد الله المليباري وغيرهم.
وقد اعترضتني صعوبات كثيرة في إنجاز هذا البحث منها:
١) صعوبة هذا الموضوع في حد ذاته، والتي لم يخفها علي فضيلة الأستاذ المشرف وبعض من استشرتهم من الأساتذة. فمن المعلوم أن البخاري لم يصرح بآرائه ومنهجه في كتبه فكان دوري هو استنباط هذا المنهج من ثنايا النصوص، وهذا اقتضى مني المراجعة الطويلة للكتب التي اهتمت بشرح الجامع الصحيح أو انتقاده والتعقيب عليه لعلي أظفر بشيء، وفي كثير من الأحيان أتوقف عن معرفة مقصد البخاري في إخراج طريق ما، أو ذكر اختلاف في حديث، أو غير ذلك من صنيعه. فأذكر ما أصل إليه وأفهمه على سبيل الاحتمال وأعضد موقفي بنصوص من أقوال الأئمة. ولو كانت هناك أقوال صريحة لحسمت الأمر، وحلت النزاع، ووفرت الوقت والجهد.
٢) بعد مقر إقامتي على الجامعة مما جعلني أجد صعوبة كبيرة في
1 / 13
الاستفادة من المكتبة وخاصة المراجع الداخلية منها، وكذلك مشقة السفر للاتصال بالمشرف.
هذا وأتمنى أن أكون قد وفقت من خلال هذا البحث من جعل المشكلة في ضوء البحث العلمي الهادئ والهادف من خلال الرجوع المباشر إلى أئمة العلم وكتبه الأولى، ومصنفاته الأصلية.
ومن هنا أرجو أن يضيف هذا البحث طريقة علمية منهجية في فهم مناهج كتب السنة وأساليب النقدية. ويحرك همم الباحثين لاستكمال النقائص وسد الثغرات، وبمتابعة الجهود في تمحيص كتب السنة ودراستها دراسة علمية مقارنة لاستخراج مناهجها النقدية يمكن - بإذن الله - أن تتبلور نظرية متكاملة واضحة في نقد السنة عند المحدثين، ومن خلال هذه النظرية نستطيع أن نستمر في خدمة السنة تحقيقًا وتخريجًا علميًا أصيلًا، ومن خلالها أيضًا نستطيع أن نقوّم تلك الجهود الجبارة التي بذلت في سبيل الحفاظ على المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي.
وقد جاء البحث في ثلاثة فصول وخاتمة.
الفصل الأول: وهو عبارة عن فصل تمهيدي خصصته للكلام عن الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري، وقد اشتمل هذا الفصل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: تحدثت فيه عن كتب السنة قبل الجامع الصحيح كالسنن والمسانيد وكتب السير والمغازي والتفسير والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، والغرض منه توضيح مدى استفادة الإمام البخاري ممن سبقه، وبيان أن الجامع الصحيح لم يأتِ من فراغ، وإنما هو حلقه من سلسلة متواصلة من جهود المحدثين في التصنيف والتأليف.
والمبحث الثاني: خصصته للكلام - بشيء من الإيجاز - عن حركة التدوين في علوم الحديث والنقد إلى عصر الإمام البخاري وكيف بدأت قواعد التصحيح والتعليل تستقر عند كثير من أئمة الحديث ونقاده.
1 / 14
والمبحث الثالث: ترجمت فيه للإمام البخاري بترجمة شاملة وموجزة ركزت فيها على مختلف جوانب شخصيته العلمية.
والمبحث الرابع: سردت فيه الآثار العلمية للإمام البخاري، وعرفت بالموجود منها سواء أكان مطبوعًا أم مخطوطًا، ثم ختمت هذا المبحث بذكر التأثير العلمي لمصنفات الإمام البخاري فيمن عاصره أو من جاء بعده.
أما الفصل الثاني فقد خصصته للحديث عن منهج الإمام البخاري في تصحيح الأحاديث، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: خصصته للكلام عن عدالة الرواة، وقد قسمته إلى ستة مطالب تناولت فيها تعريف العدالة لغة واصطلاحًا، ثم شروط العدالة وموقف البخاري منها، ثم أدرجت بعض المسائل المتعلقة بالعدالة وبينت موقف البخاري منها وهي: إذا روى الثقة حديثًا فسئل عنه فنفاه، وإذا كان المحدث يغشى السلطان، وإذا كان المحدث يأخذ الأجرة على التحديث، هل يقدح كل ذلك في عدالته أم لا؟ مع ذكر موقف البخاري معضدًا بالأمثلة والشواهد، ثم تناولت موقف البخاري من أحاديث أهل البدع والأهواء، ثم موقفه من الرواة والمجاهيل وكيفية تخريجه لرواياتهم، وختمت المبحث بطلب في الحديث عن الرواة الوحدان، وموقف البخاري من رواياتهم وكيفية تخريج أحاديثهم في صحيحه.
المبحث الثاني: خصصته للحديث عن ضبط الرواة وقد قسمته إلى أربعة مطالب:
الأول: عرفت فيه بالضبط لغة واصطلاحًا، ثم تعرضت في المطلب الثاني لأهميته وآثار اختلاله وكيفية معرفة ضبط الراوي، ومراتب الرواة من حيث الضبط، ثم تناولت في المطلب الثالث مراتب رجال الصحيحين من حيث الضبط، وبينت فيه أن رجال الصحيحين ليسوا كلهم على مرتبة واحدة من حيث الضبط، بل فيهم الحافظ الضابط، ومن هو دون ذلك.
ثم درست في المطلب الأخير نماذج من روايات الضعفاء، وبينت منهج البخاري في تصحيحها.
1 / 15
المبحث الثالث: تحدثت فيه عن اتصال السند، وقد قسمته إلى خمسة مطالب:
عرفت في الأول منها السند لغة واصطلاحًا، وأهميته، ثم تعرضت في المطلب الثاني لطرق التحمل والأداء عند الإمام البخاري وبينت ما هي الطرق المعتبرة عنده، والطرق غير المعتبرة، ثم تناولت في المطلب الثالث مسألة العنعنة، وحاولت توضيح منهج البخاري فيها والموازنة بينه وبين الإمام مسلم في ذلك والجواب عما أورده كثير من العلماء في الرد على الإمام مسلم.
أما المطلب الرابع فقد خصصته لدراسة نماذج من أحاديث الجامع الصحيح أعلت بالانقطاع في سندها، فذكرت أجوبة العلماء عليها، وبينت أن دعوى الانقطاع لا تصح في كثير منها.
ثم ختمت المبحث بمطلب في الحديث عن التدليس - باعتباره نوعًا من الانقطاع في السند - وبينت منهج البخاري في تخريج أحاديث المدلسين.
أما الفصل الثالث فقد أفردته لمنهج الإمام البخاري في تعليل الأحاديث، وقد قسمته إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تعرضت فيه للأحاديث المعلولة في الجامع الصحيح وقد جاء في مطلبين:
الأول: في تعريف العلة لغة واصطلاحًا، وبيان مواضعها وحكمها ودلائلها.
والثاني: في الكلام عن الأحاديث المنتقدة في الجامع الصحيح وتصنيفها وبيان منهج المنتقدين كالدارقطني، وتقويم انتقاده إجمالًا.
المبحث الثاني: تحدثت فيه عن التفرد وأثره في تعليل الأحاديث، وقد اشتمل على ثلاثة مطالب:
الأول منها عبارة عن مقدمات نظرية تحدثت فيها عن حقيقة التفرد وأنواعه ومراتبه وحكمه.
1 / 16
والثاني تحدثت فيه عن نماذج من الأحاديث التي استغربت أو استنكرت في الجامع الصحيح، وبينت منهج البخاري ووجهة نظره في إخراجها، كما وضحت المنطلقات والقرائن التي بنى عليها المنتقدون أحكامهم.
والمطلب الثالث درست فيه نماذج من الأحاديث التي أعلها الإمام البخاري اعتمادًاٍ على التفرد مع انضمام قرائن أخرى.
المبحث الثالث: تكلمت فيه عن المخالفة وأثرها في التعليل، وقد افتتحته بمطلب ضمنته بعض المقدمات النظرية في تعريف المخالفة، وصورها، وأسبابها، وضابطها، وأحكامها، وأثرها؛ ليكون مدخلًا ييسر الولوج إلى هذا الموضوع.
وقد قسمت الحديث في هذا الموضوع إلى قسمين هما:
المخالفة المغيرة لسياق الإسناد كالاختلاف في الوصل والإرسال والوقف والرفع، والاختلاف في تسمية شيخ الراوي، والاختلاف في زيادة راو في الإسناد أو حذفه.
والمخالفة المغيرة لسياق المتن كالاختصار، والرواية بالمعنى، والإدراج، وأثرها في تصحيح الأحاديث، أو تعليلها.
كل ذلك مقرون بالأمثلة والشواهد من صنيع الإمام البخاري في صحيحه.
المبحث الرابع: خصصته لزيادات الثقات، وهي صورة من صور المخالفة، لكنني أفردتها لأهميتها وغموضها، وركزت فيه على الحديث عن بعض زيادات المتون وأحكامها النقدية وآثارها الفقهية، مدعمًا ذلك بالأمثلة من صحيح الإمام البخاري. وقد جاء هذا المبحث في ثلاثة مطالب:
الأول: في تعريف زيادات الثقات وحكمها عند الأئمة والطوائف.
الثاني: في دراسة نماذج من الزيادات المقبولة عند الإمام البخاري واستخلاص معايير القبول.
1 / 17
الثالث: في دراسة نماذج من زيادات الثقات المردودة عند الإمام البخاري واستخلاص معايير الرد.
وقد أنهيت البحث بخاتمة ذكرت فيها أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة.
وفي الأخير أسأل الله ﷿ أن يجعل عملي هذا لوجهه خالصًا، وأن يعصمني من الزلل والخطأ، وأن يغفر لي ويتجاوز عني بفضله وكرمه، فهو ولي ذلك والقادر عليه، وسبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك.
1 / 18
الفصل الأول: الحديث وعلومه إلى عصر الإمام البخاري
المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح.
المبحث الثاني: علوم الحديث إلى عصر البخاري.
المبحث الثالث: ترجمة موجزة للإمام البخاري.
المبحث الرابع: التعريف بالإنتاج العلمي للإمام البخاري.
1 / 19
المبحث الأول: كتب السنة قبل الجامع الصحيح
إن الجامع الصحيح للإمام البخاري لم يأت من فراغ وإنما هو حلقة من سلسلة ممتدة من لدن العهد الأول لتدوين الحديث إلى عصر هذا الإمام، هذه الحلقة جاءت مكمّلة لتلك الحلقات ومتممة لها. وإن استفادة الإمام البخاري من جهود الأئمة الذين سبقوه كانت استفادة عظيمة سواء من حيث المادة أم من حيث الطريقة والمنهجية. فلقد عكف على مصنفات من سبقه فحفظها واستوعبها وضمن مقاصدها في كتابه حسب الشرط الذي وضعه له.
ولقد بين الإمام الدهلوي طريقة التصنيف في الحديث قبل الإمام البخاري فقال (١):
" أول ما صنف أهل الحديث في علم الحديث جعلوه مدونًا في أربعة فنون:
في السنة أعني الذي يقال له الفقه مثل موطأ مالك، وجامع سفيان، وفن التفسير مثل كتاب ابن جريج، وفن السير مثل كتاب محمد بن إسحاق، وفن الزهد والرقاق مثل كتاب ابن المبارك، فأراد البخاري ﵀ أن يجمع الفنون الأربعة في كتاب ويجرده لما حكم له العلماء
_________
(١) شرح تراجم البخاري ص٧، نقلًا عن كتب السنة دراسة توثيقية للدكتور رفعت فوزي عبد المطلب ط أولى سنة ١٩٧٩م - مكتبة الخانجي، ص ٧٨.
1 / 21
بالصحة قبل البخاري وفي زمانه، ويجرده للحديث المرفوع المسند وما فيه من الآثار وغيرها، إنما جاء تبعًا لا أصالة ولهذا سمي كتابه الجامع الصحيح المسند ".
فحركة التأليف والتصنيف في السنة في القرنين الثاني والثالث كانت جد نشيطة، وقد أثمرت هذه الحركة العشرات بل المئات من كتب السنة، وهذه الكتب على كثرتها يمكن حصرها في المجموعات التالية:
كتب السنن، والمصنفات، والجوامع، والمسانيد، وكتب التفسير، وكتب المغازي والسير، والأجزاء المفردة في أبواب مخصوصة، وفيما يلي تعريف موجز بأهم هذه المصنفات ومناهجها ومادتها لنقف على مدى استفادة الإمام البخاري من هذه الكتب في صحيحه.
أ - كتب السنن:
وهي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية من الإيمان والطهارة والصلاة والزكاة إلى آخرها وليس فيها شيء من الموقوف لأن الموقوف لا يسمى في اصطلاحهم سنة ويسمى حديثًا (١)، وهذا تعريف بأهم وأشهر كتب السنن إلى عصر البخاري:
١) سنن أبي الوليد عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الرومي (ت ١٥١) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة، ولا تفيدنا المصادر عنها شيء.
_________
(١) محمد بن جعفر الكتاني: الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، مكتبة الكليات الأزهرية، ص ٢٥. قلت: هذا الذي ذكره العلامة الكتاني يخالف الواقع. وكتب السنن تشمل كثيرًا من الموقوفات والمقطوعات تذكر على سبيل التبع، لا أصالة ولا رواية، وعددها قليل مقارنة بالمصنفات والموطآت.
(٢) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد المكي، أحد الأئمة الأعلام، له كتاب السنن ذكره ابن النديم في الفهرست: ص ٣٣٠، الكتاني في الرسالة المستطرفة ص ٢٦. ترجمته في تاريخ بغداد: ج١٠٦ ص ٤٠، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٦٩، تهذيب التهذيب ج٦ ص ٤٠٢، والتقريب: ص ٣٦٢ تحقيق محمد عوامة.
1 / 22
٢) سنن سعيد بن منصور (ت ٢٢٧هـ) (١) .
طبعت بتحقيق الشيخ حبيب الرحمن الأعظمي، ولكن النسخة غير كاملة، والمقدار الموجود منها يشتمل على (٢٩٧٨) حديثًا تبدأ بكتاب الفرائض ثم النكاح وما يتعلق به، ثم الطلاق ثم الجهاد، طبعت في مجلدين.
٣) سنن محمد بن الصباح (ت ٢٢٧هـ) (٢) ذكرها الكتاني في الرسالة المستطرفة (٣) ولا تفيدنا المصادر عنها بشيء.
٤) سنن الدارمي (ت ٢٥٥هـ) (٤) أسانيده عالية، وثلاثياته أكثر من ثلاثيات البخاري. وهو من شيوخ البخاري، وقد روى عنه في غير الجامع، ومنهم من يطلق عليها المسند لكون أحاديثها مسندة مطبوع عدة طبعات في مجلدين، وكان الحافظ العلائي يقول: (ينبغي أن يكون كتاب الدارمي سادسًا للخمسة بدلًا من سنن ابن ماجة، فإنه قليل الرجال الضعفاء، نادر الأحاديث المنكرة الشاذة، وإن كانت فيه أحاديث مرسلة وموقوفة فهو مع ذلك أولى منه) (٥) .
_________
(١) هو سعيد بن منصور بن شعبة، أبو عثمان الخرساني. نزيل مكة، ثقة مصنف، وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به، مات سنة سبع وعشرين ومائتين وقيل بعدها وروى عنه الجماعة، التقريب ص ٢٤١. وانظر ترجمته في: التاريخ الكبير ج٢ ص ٤٧٢، والصغير ص ٢٤٠ وطبقات ابن سعد ج٦ ص ٣٦٧، الجرح والتعديل: ج٢ ص ٦٨، تذكرة الحفاظ: ج٢ ص٥، والتهذيب: ج٤ ص ٨٩ - ٩٠.
(٢) هو محمد بن الصباح البزار الدولابي، أبو جعفر البغدادي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وكان مولده سنة خمسين ومائة. روى له الجماعة التقريب ص ٤٨٤.
(٣) الرسالة المستطرفة ص ٢٨.
(٤) هو الحافظ أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل التيمي السمرقندي. الدارمي نسبة إلى دارم بن مالك بطن كبير بن تميم. توفي يوم التروية ودفن يوم عرفة سنة خمس وخمسين ومائتين ومولده سنة ١٨١هـ. ترجمته في: تاريخ بغداد: ج١٠ ص ٢٩، تذكرة الحفاظ: ج٢ ص ٥٣٤.
(٥) انظر فتح المغيث للسخاوي: ج١ ص ١٠٠.
1 / 23
وقال الحافظ: (لو ضم إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة فهو أمثل منه بكثير) (١) .
ب - المصنفات والجوامع:
هي كتب مرتبة على الأبواب الفقهية مشتملة على السنن وما هو في حيزها أو له تعلق بها (٢) وهي كثيرة نعرّف بأهمها وأشهرها.
١) جامع أبي عروة معمر بن راشد الأزدي (٣) (١٥٣هـ أو ١٥٤ هـ) .
٢) جامع سفيان الثوري (٤) (١٦١ هـ) .
٣) مصنف حماد بن سلمة (٥) (ت ١٦٧ هـ) .
٤) كتاب الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني (ت ١٨٩هـ) .
وهو عبارة عن أحاديث مرفوعة وموقوفة ومرسلة في مسائل الفقه، طبع في مجلدين بتعليق الأستاذ أبو الوفا الأفغاني، ويشتمل على (٢٦٨) أثرًا وقد أفرد الحافظ ابن حجر جزءًا لطيفًا في تراجم رواته
_________
(١) نقله الصنعاني في توضيح الأفكار: ج١ ص ٢٣١.
(٢) الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة، ص ٣٠ فما بعدها.
(٣) معمر بن راشد بن عمرو الأزدي البصري: أحد الأعلام وحفاظ الحديث، ولد في البصرة وانتقل إلى اليمن واستقر بها. له كتاب الجامع مخطوط نسخة منه في مكتبة فيض الله وأخرى في أنقره، حققه الأستاذ فؤاد سزكين ولم يطبع إلى الآن، له ترجمة في: طبقات ابن سعد: ج٥ ص ٣٩٧، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ١٩٠.
(٤) هو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، كان إمامًا مجتهدًا، أجمع الناس على دينه وورعه وزهده، وثقته في الرواية، راوده المنصور ثم المهدي على أن يلي القضاء فأبى، وتوارى، وانتقل إلى البصرة ومات فيها سنة ١٦١هـ - ترجمته في: التاريخ الكبير للبخاري: ج٢ ق٢ ص ٩٢ - ٩٣، تاريخ بغداد: ج٩ ص ١٥١ - ١٧٤ وتهذيب التهذيب: ج٤ ص ١١١ - ١١٥.
(٥) حماد بن سلمة بن دينار البصري أبو سلمة، ثقة حافظ عابد، أخرج له مسلم وأصحاب السنن. مات سنة ١٦٧هـ ترجمته في: التاريخ الكبير: ق١ ص ٢٢، حلية الأولياء: ج٦ ص ٢٤٩، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٥٠٢، تهذيب التهذيب: ج٣ ص ١١.
1 / 24
سماه الإيثار لمعرفة رواة الآثار، وهو مطبوع.
٥) مصنف وكيع بن الجراح (١٩٧ هـ) .
٦) جامع سفيان بن عيينة (١) (ت ١٩٨هـ) .
٧) مصنف عبد الرزاق بن همام الصنعاني (ت ٢١١هـ) .
طبع في أحد عشر مجلدًا بتحقيق حبيب الرحمن الأعظمي ويشتمل على (٢١٠٣٣) أثرًا ويعتبر من أغنى المصادر بآثار السلف وفقه التابعين. وقد استمد منه البخاري كثيرًا في الآثار التي يوردها كما يعلم من خلال " فتح الباري " و" تغليق التعليق " في وصل تلك الآثار.
٨) مصنف أبي بكر بن أبي شيبة (ت ٢٣٥هـ) وقد طُبع كتابه في خمسة عشر جزءًا تشتمل على (١٩٧٨٩) أثرًا، وقد استفاد منه البخاري كثيرًا في الآثار التي يوردها في صحيحه.
جـ - المسانيد:
وهي الكتب التي موضوعها جعل حديث كل صحابي على حدى صحيحًا كان أو حسنًا أو ضعيفًا مرتبين على حروف المعجم وأسماء الصحابة كما فعله غير واحد، أو على القبائل، أو السابقة في الإسلام، أو الشرافة النسبية، أو غير ذلك. وقد يقتصر في بعضها على أحاديث صحابي واحد كمسند أبي بكر أو أحاديث جماعة منهم كمسند الأربعة، أو العشرة، أو طائفة مخصوصة منهم جميعًا وصف واحد كمسند المقلين ومسند الصحابة الذين نزلوا مصر إلى غير ذلك.
والمسانيد كثيرة جدًا (٢) فقلّ إمام إلا وله مسند وفيما يلي تعريف
_________
(١) هو سفيان بن عيينة بن أبي عمران الهلالي، أبو محمد الكوفي المكي، أحد أئمة الإسلام وحفاظ السنة. ترجمته في مقدمة الجرح والتعديل: ص ٣٢، الطبقات الكبرى: ج٥ ص ٣٦٤، تاريخ بغداد: ج٩ ص ١٧٤، تذكرة الحفاظ: ج١ ص ٢٦٢.
(٢) الرسالة المستطرفة ص ٤٦ إلى ص ٥٧.
1 / 25