Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
ثم كانت الطامة (قانصوه باشا) خرج بعدد وعدد ما خرج غيره بمثلها، وكان رجلا ظالما وعسف السلاطين في طريقه من مصر إلى اليمن، وأخذ نحو الشريف الكبير الحارث الحسني، وأخرج آلات الصلب والأغلال والجوامع من مصر، وما ظن أنه يقوم في وجهه أحد، وأرجف الناس، وبدت أسرار النفاق، وظنوا أنه قد أحيط بهم، فلم يبق إلا الصادقون، وكان أمير المؤمنين المؤيد بالله - أعاد الله من بركته - قد لقي ولده /49/ عماد الإسلام يحيى بن أمير المؤمنين المؤيد بالله - عليهما السلام- إلى أطراف المخلاف السليماني بجنود، وكان الإمام لا تروعه النوازل ولا تفزعه الزلازل، فحصل من جانب التشويشات ما ردا على ما كان من هول هذا الخارج خوفا على ابن الإمام وجنود الحق، فنفذ الباشا بجنود لا يعلم قدرهم إلا الله، فهم مولانا سيف الإسلام يقصده في جريدة من أبطال المسلمين وعيون العساكر إلى (حيس) يبدأ بالرئيس، فإن الجنود لم يسعها محل، فكانت المحاط متعددة والباشا(1) في حيس، فأراد الغزو له ولا تأتي الأخبار إلا بقتله، وهذه سياسة قد عمد إليها عدد من أمثاله، وإن كانوا قليلا فما يبلغ هذه الهمة أحد، ففت من عضد هذا العزم رأي أهل الرأي المختبرين لأنهم لا يأمنون مغبته، وكان بعد هذا ما كان من الملاحم الكبار التي طارت أخبارها كل مطار، وذللت أنوف البغاة والكفار، وهي تستغرق مجلدات، بل لا تفي بذلك المجلدات، والقصد هنا إلى مادة العلم، وقد كان بالمحل العظيم، ومع ذلك فهو مواظب على القراءة في أسفاره وفي آخر سني عمره المبارك، جود في الأصول على شيخ الإسلام محمد بن عز الدين المفتي، وحضر القراءة عيون العلماء كصنوه - حجة الإسلام خليفة الله في أرضه - المتوكل على الله، وكانت محافل تنضى إليها الرواحل، وأما أعطية هذا السلطان الزعيم فمما لا يبلغ كنه(2) الوصف فإنه كان يعطي عطاء من لا يخاف الفقر، فأما جنوده وأعيان الدولة والوفد من الأقاليم القاصية كالعراقين والأندلس فمما لا يلم به حصر، ولقد أخبرني بعض الخواص أنه أربى فيما وزنه للشريف طاهر الإدريس على خمسة وعشرين ألفا من النقد، وأما الجواهر والنفائس فأمر خارج عن الفكر، وكان يتعهد الهجر بصعده وحوث وجميع الجهات كل سنة، ولقد أخبرني سيدي وشيخي شمس الإسلام أحمد بن سعد الدين المسوري - أدام الله عافيته - أنه بلغه أنه - رضي الله عنه - طاف ببعض الخواص في داره بصنعاء وكان يخبره(1) بما في المخازين، فقال له في مخزان: في هذا بأربعين ألف قرش برا شريته للمساكين خيرا لهم عما استوعبت من أموالهم لجنود الإسلام أيام تهامة.
وأخبرني بعض خدمه أنه كان في بعض الأيام في (جبهان) فوفد من الشرائف عدد من أهل (الكبس) ومن الأشراف فرأى الرجل المذكور أنه لا يليق بهم الإقامة بقرب المحطة، فذهب إلى الخازن وطلب منه ما يحتاج لأولئك من البر فأعطاه جميع الموجود؛ لأن ذلك المحل ليس فيه مخازين، إنما هو منزل قلعة فأخذ الجميع وزلج أولئك على حسبما رآه، فلما عاد المولى شرف الإسلام سأل الخازن عن البر، فقال(2): قد جاءنا له فلان فطلبه إليه وسأله أين ذهب بالبر؟ فأخبره بالصفة، فقال: قاتلك الله، كيف لم تطلب لهم يا قليل المروة شيئا من المصروف مع هذا؟ /50/ وكم أعد من هذه المكارم،
Page 79