Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
قال القاضي - رحمه الله -: هو أعقل من رأيت منهم. فقال للقاضي: يا قاضي هذا السلطان قد فضحنا إليك، ولكن متى كان في الظهيرة غدا، قلنا للسلطان يترك شرب الخمر لتجتمع به، فركن القاضي على هذا، فلما كان في الظهيرة أو قبيلها توجه في أصحابه لذلك الموقف كما سبق الوعد به من الوزير، فأقبلوا على دار السلطان وهي دار لا نظير لها ولا شبيه، عمرها بعض الأفاقيين للسلطان على أسلوب غريب، فوصل القاضي إلى قرب الدار وقد انتشر الخدم في الأبواب وفتحت الطاقات، وهيأت أحوال السكر، واجتمع أهله، فلم يشعروا إلا بالقاضي - رحمه الله - فعشر الرماة الذين بين يديه فهرب السلطان من إيوانه وهرب الوزراء والخدم وأجفلوا إجفال الظبا، فدخل القاضي والدار يباب لو أراد ما أراد تمكن، فلما عرف الوزير السابق ذكره أولا النكتة سارع إلى القاضي واعتذر بأنه لما يتقدم إلى السلطان في هذا المطلب فأمهله القاضي، واجتمع بالسلطان وأخذ في أهبة توجيه(1) القاضي فوجهه بعد مدة، وكان مجموع مدة إقامته عند السلطان نحو ثلاث سنين، ووجه معه السلطان وزراء الضيافة فاتفقت في الطريق كائنات لولا وقاية الله والرجوع إلى الحزم والنجدة ما عادوا، فلله الحمد رب الإحسان، ووصل القاضي إلى شهارة، فلقاه الإمام - عليه السلام-(2) الطبول، وعظمه كثيرا، ثم لم يزل في الحضرة أو في منزله بشبام لمهمات لا يقوم بها غيره، وقد صنف رسالة مشتملة على أحوال هذه الرحلة، وفيها عجائب وغرائب(3)، ومن أعجب ما أكتبه هنا ما أخبرني به أن في إقليم الحبشة سحائب تمطر النار، وليس لها وبل غير النار، فيقع على البلد فيهلكه وسحائبها معروفة، وهي لا تزال على ذلك، ولا يستغرب أهل الحبشة أمرها، ومن شعره أيام إقامته هنالك:
على كل سعي في الصلاح ثواب ... وكل اجتهاد في الرشاد صواب
وليس على الإنسان إدراك غاية ... ودون مداها للعيون(1) حجاب
ولو علم الساعون غاية أمرهم ... لما كان شخص بالشرور يصاب
فقل لأمير المؤمنين لقد دعا ... وحق له بعد الدعاء يجاب
ولكن دعا قوما يظنون أنهم ... رموا غرضا في دينهم فأصابوا
تراءى لهم لمع فهم يحسبونه ... شرابا فأضحى ذاك وهو سراب
يقولون إن الله جل جلاله ... هو الروح عيسى إن ذا لعجاب
وحينا وقالوا بالأقانيم فرية ... فيحصرها ضبط لهم وحساب
وقالوا هي الرب الثلاثة كلها ... بذلك أفتت فرقة وأجابوا
/8/ولكن يقولون الثلاثة واحد ... وهن لتكميل الإله نصاب
وهذا ضلال بين وجهالة ... تفطر منه الصم وهي صلاب
عذيري من دين خسيس مآله ... نكال وخزي دائم وعذاب
لقد ضاق ذرعي لاحتباسي بأرضهم ... وكدر مني مطعم وشراب
وحبب أوطاني إلي بأن لي ... بها جيرة طاب الزمان وطابوا
وللعدل والتوحيد منها مسارح ... وربع منيف شامخ وجناب
فهل لي إلى تلك المنازل عودة ... وهل لي إليها مرجع ومآب
وهل أردن للشرع مورده الذي ... تدل عليه سنة وكتاب
وهل أسمعن؟ صوت المنادي بجمعة ... ينادي بأعلى صوته فيجاب
وهل أنظر الدار التي ضربت لها ... مدارس علم حولها وقباب
فإن لم يكن يا دهر عتبا فطالما ... عتبت فلم ينفع لديك عتاب
ولكنني أقفو مقالة شاعر ... فللقول حكم بالغ ولباب
إلى الله أشكو أنني في منازل ... تحكم في آسادهن كلاب
تمر الليالي ليس للنفع موضع ... لدي ولا للمعتفين جناب
أرى الكفر مقشوع القناع وأهله ... يظنونه خيرا فخاب وخابوا
فشمر أمير المؤمنين لحربهم ... فهم نقد(2) البيدا وأنت عقاب وأنت سليل القاسم القائم الذي ... رمت شهبه أهل الضلال فغابوا
Page 15