Matlac Budur
مطلع البدور ومجمع البحور
نشأ - عليه السلام - بين التنزيل والتأويل، ودرج بين التحريم والتحليل، بين آباء بررة، وأجداد طهرة، ما بعد هؤلاء الذين سميناهم إلا من ينفح عرف الصلاح من ثيابه، ويشد(1) حبائل التقوى بأهدابه. فنسبه كله سلسلة الذهب الصريح غير المؤتشب، بين إمام سابق، ومقتصد لاحق، وغصن (سامر) (2)، عن أصل في ذروة المجد باسق. ولما ترعرع غصنا سرعرعا(3)، سلك من وراية آبائه الأكرمين طريقا متبعا، وسبلا مهيعا(4). فلم يتوقل(5) في درج العلم حتى تسنم ذراها. وتفيأ في ظليل ذراها، ثم لان له من الغوامض جامحها، فأسلس قيادها، ووطئ شدادها، وأعلى نجادها، وأسال وهادها، وجاش خلالها، وخاض أعدادها وأوسالها. فهذا علم الكلام وأصول الدين قد قرأ فيه فصل وحصل، ودقق وحلل حتى وقف منه على المكنون، وجمع أبكاره والعون. ثم أصول الفقه وهو النمط الأوسط بين التصرف العقلي والتحكم الشرعي، فلقد جلى جواده في مضماره، وتغلغل في أنجاده وأغواره، وتكشف له دقائق غرائبه وأسراره. وأما في الفروع فله اليد الطولى والقدم الراسخة. وأما الفرضيات فله فيها أوفر الحظ والنصيب، وقد رمى في أغراضها بالقدح القامر(6) والسهم المصيب، وله فيها غوص الماهر الألمعي، ومحض الناظر اللوذعي. وأما علوم الأدب فقد مت(7) فيها بحبل متين، ونسب من مبادئ اللغة ومعرفة مفرداتها، ثم معرفة حركاتها وأوزانها إلى حد الكفاية وزيادة. ثم علوم /180/ القرآن الكريم، فقد اندرجت تحت هذه وازداد من وراء ذلك قراءة ما وضعه المفسرون من أهل البيت - عليهم السلام - وأشياعهم من علماء الإسلام، فاطلع ذلك الفجاج، وأخذ يعرى تلك الأدراج، حتى أضحى مجاله فيها رحيبا، وجواد حلبته لعوبا. ثم الآيات النبوية، والأحاديث الصحابية، والسير المقتضية، فقد أخذها أخذ مثله، وعلقت بخاطره إلى حد أعوز الطوف بمثله وشكله.
هذه - رحمكم الله، وأعز بكم دينه - أودية العلم وغيطانه وحدائق الحكم و(مصلاته)، قد ملك رباها وحمى حماها، ورعى كلاها، وملاك ذلك جودة الاستنباط وحضور البال ويقظة الخاطر وانتباه الذهن، وحسن الفحص عن لطائف المغمضات، واستثارة دقائق العوص المهمات(1)، ولقد رأينا منه عجائبا في كتاب (بغية المرتاد)، وهو جواب عن مسائل فقهية وهي عديمة النص في الأغلب، سأله عنها الشيخ الصدر العالم محي الدين عطية بن محمد بن أحمد النجراني، فحلل عقدها، وفتح سددها، وقوم بالإيضاح أودها، وأفاض عليها خليجا من بحر علمه الزخار، وفيض مدده التيار، وينبوع علمه الفوار، حتى حسرت عن لثامها للاختبار، وكشفت برقعها للنضار(2)، قد نظم في سلكها اللؤلؤ والنضار، وكاد برقها يذهب بالأبصار، ثم فاتحه الكلام من فاتحه (من)(3) علماء اليمن، فرأى منه ما يبهر العقول نورا، ويرد الطرف دونه حسيرا.
Page 327