253

القاضي العلامة الفاضل شمس الدين أحمد بن علي بن أحمد بن إبراهيم بن أبي الرجال - رحمهم الله تعالى - كان من الفقهاء النبلاء الفضلاء، وأتقن من العلوم جملة واسعة، قرأ علوم العربية بأنواعها، وعلم الكلام على مذهب الأئمة وقرأ الفقه، وأتقن فيه، وجوده. وله مشائخ أجلاء في كل علم، منهم الإمام المنصور بالله القاسم بن محمد - عليه السلام - وفد إليه إلى (وادعة)(2)، فلما عرف الإمام نباهته وأهليته، جعل له منزلا قريبا من منزله، وأمره بنقل جميع مصنفات الإمام الموجودة يومئذ بخطه، وخطه من أجل الخطوط وأنهاها(3)، وأبينها وأجلاها، ثم قرأها جميعا على الإمام، ثم أذن له فدخل صعدة فقرأ علوم العربية على السيد العلامة صارم الدين داود بن الهادي المؤيدي - رحمه الله تعالى - وعلى القاضي شمس الدين أحمد بن يحيى حابس، وقرأ عليه علم الكلام، وكتب مقروءاته جميعها بيده وخطه، ثم رحل إلى (شهارة) فقرأ أصول الفقه على السيد المجتهد العلامة أحمد بن محمد بن لقمان - رحمه الله - وكتبها بخط يده، وقرأ أيضا في علم الكلام على القاضي العلامة بقية المتكلمين عبد الهادي بن أحمد الحسوسة - رحمه الله - وأثنى عليه بعبارة تفيد أنه من أجل من قرأ عليه في هذا العلم، رواها سيدنا العلامة علي بن سعيد الشريحي المقري - رحمهم الله جميعا - وتولى القضاء بأمر إمامه المؤيد بالله - عليه السلام - بجهات عديدة منها حيس(1) من نواحي تهامة، وصلح بواسطته خلائق؛ لأنه كان حسن الأخلاق كامل الصنعة في جذب القلوب إلى الحق، ومن عجيب ما اتفق أن بعض تلامذته من الشافعية أحب أهل البيت - عليهم السلام - وتمسك بولائهم، فاتفق أن حضر ذلك الشافعي في حضرة بعض ساداتنا الأعلام بمدينة تعز، وحضر يومئذ بعض الناصبية فقرأ الناصبي: ?ما كان محمد أبا أحد من رجالكم..? (الأحزاب:40) الآية، ومقصوده معروف بهذا، فقرأ الفقيه المتخرج بالقاضي شمس الدين على الفور عقيب قراءته: ?فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين? (آل عمران:61) وهذه ملحة حسنة استفدتها من سيدي أمير المؤمنين المتوكل على الله إسماعيل بن أمير المؤمنين المنصور بالله - سلام الله عليهم -. وله أشعار حسنة، منها جوابه على السيد الناصر بن محمد صبح الغرباني الخارج أيام الإمام القاسم /155/ - عليه السلام - وادعى أنه الإمام المنتظر، ورام من والد القاضي المذكور المناصرة، فخذل عنه لوجوب ذلك شرعا عليه وعلى السيد أيضا، فإنه كان قد التزم أحكام الإمام القاسم - عليه السلام - ولكنها غرته الأماني، ولما لم يطاوعه القاضي كتب إليه:

قل لعلامة هلم إلينا ... نحن ساداتكم عيال الرسول

عندنا العلم لا تطولوا علينا ... تصبحوا في الهوان يوم القفول

قال ربي بأننا طاهرينا ... فعل ربي وهل له من مثيل

نحن لحم الرسول بحور علوم(1) ... وارثون(2) الرسول خير الكهول

إن تميلوا عن الدلالة يوما ... عن إمام الزمان زاكي الأصول

سوف تأتونه وعما قريب ... تطلبون الوصال عند الوصول

نصرنا كائن بأمر عزيز ... قاهر قادر كثير الفصول

ليس أمثالكم لنا من نصير ... حسبنا ربنا مزيل الطلول

كيف حال امرئ يقول مقالا ... باهتا خائنا لآل الخليل

نحن في هذه أئمة حق ... رغم أنف البغيض شبه الهبول

نحن في الحشر شاهدون عليكم ... عند ربي وعند جدي الرسول

وتركت بيتين لركتهما، فأجابه القاضي شمس الدين - رحمه الله تعالى - بأمر إمامه المؤيد بالله؛ لأن السيد ناصرا استمر على استمرار الخلاف مدة خلافة الإمام القاسم، وصدر من خلافة ولده فأمره الإمام بالجواب، وقد كان اقتصر على البعض من هذا الجواب، ولم يذكر مآثر سلفه وسابقتهم، فأمره الإمام بزيادة قوله:

وسمعنا مقالة منك تنبي ... بمفاهيمها عن التغفيل

قولكم ما لمثلنا النصر فيما ... رمت من ارتكاب خطب جليل

إلى آخر القصيدة وهي هذه:

عترة المصطفى الكرام دليلي ... وهداتي إلى سواء السبيل

اتبع السابقين منهم مطيعا ... عادلا عن مسالك التعطيل

وإذا كان منهم ذا اقتصاد ... كنت ممن يراه بالتبجيل

وأناوي سواهم لا أبالي ... لكثير تقوله أم قليل

وإذا طلت كان طولي بحق ... عد عن قولك العريض الطويل

/156/

لست في ابتداع قال وقيل ... من فريق يخوض في التطويل

كن من الآخرين إن شئت إما ... رتبة لا تنال بالتبجيل فاطو عما تريد من تلك كشحا ... قد سبقتم وقنتم بالفحول

Page 280