695

Le chemin parcouru dans l'art de l'écrivain et du poète

المثل السائر في أدب الكاتب و الشاعر

Enquêteur

أحمد الحوفي، بدوي طبانة

Maison d'édition

دار نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع

Lieu d'édition

الفجالة - القاهرة

Genres
Philology
Régions
Irak
Empires & Eras
Abbassides
وإذا فرغت من ذكر الأصول التي قدمت ذكرها فإني أتبعها بضرب الأمثلة نثرا ونظما، حتى يزداد ما ذكرته وضوحا.
فمن ذلك ما ورد في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا﴾ ١، فإنه كنى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، ثم لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميتا، ثم جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.
فأما جعل الغيبة كأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله فشديد المناسبة جدا؛ لأن الغيبة إنما هي ذكر مثالب الناس وتمزيق أعراضهم، وتمزيق العرض مماثل لأكل لحم الإنسان لحم من يغتابه؛ لأن أكل اللحم تمزيق على الحقيقة، وأما جعله كلحم الأخ فلما في الغيبة من الكراهة؛ لأن العقل والشرع مجتمعان على استكراهها، آمران بتركها والبعد عنها، ولما كانت كذلك جعلت بمنزلة لحم الأخ في كراهته، ومن المعلوم أن لحم الإنسان مستكره عند إنسان آخر، إلا أنه لا يكون مثل كراهته لحم أخيه، وهذا القول مبالغة في استكراه الغيبة، وأما جعل اللحم ميتا فمن أجل أن المغتاب لا يشعر بغيبته ولا يحس بها، وأما جعله ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، فلما جبلت عليه النفوس من الميل إلى الغيبة والشهوة لها مع العلم بقبحها.
فانظر أيها المتأمل إلى هذه الكناية تجدها من أشد الكنايات شبها؛ لأنك إذا نظرت إلى كل واحدة من تلك الدلالات الأربع التي أشرنا إليها وجدتها مناسبة لما قصدت له.
وكذلك ورد قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ

١ الحجرات: ١٢.

3 / 62