712

Marah Labid

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

Enquêteur

محمد أمين الصناوي

Maison d'édition

دار الكتب العلمية - بيروت

Édition

الأولى - 1417 هـ

وروي أنهم لما اجتمعوا على إحراقه عليه السلام بنوا له حظيرة في قرية كوثي، فجمعوا له أصناف الحطب شهرا، وأوقدوا نارا سبعة أيام، حتى لو مر الطير في أقصى الهواء لاحترق، ثم أخذوا إبراهيم فقيدوه ورفعوه على رأس البنيان، ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا فرموه به في النار، فجعل الله الحظيرة روضة وذلك قوله تعالى: قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) أي أبردي بردا غير ضار ومكث إبراهيم في النار سبعة أيام. وكان عنده عين ماء عذب، وورد أحمر، ونرجس، وأتاه جبريل بقميص من حرير الجنة، وقال: يا إبراهيم، إن ربك يقول أما علمت أن النار لا تضر أحبابي ولم تحرق النار منه إلا وثاقه، فإن الله تعالى أزال عنها ما فيها من الحر والإحراق، وأبقى ما فيها من الإضاءة والإشراق.

وروي أنهم أوقدوا عليه النار سبعة أيام بعد إلقائه في ذلك البنيان، ثم أطبقوا عليه، ثم فتحوا عليه من الغد، فإذا هو غير محترق، ويعرق عرقا فقال لهم هاران- أبو لوط عليه السلام-:

إن النار لا تحرقه لأنه سحر النار، ولكن اجعلوه على شيء وأوقدوا النار تحته فإن الدخان يقتله فجعلوه فوق بئر وأوقدوا النار تحته، فطارت شرارة فوقعت في لحية أبي لوط فأحرقته. وأرادوا به أي إبراهيم كيدا أي مكرا عظيما في الإضرار به، فجعلناهم الأخسرين (70) فإنهم خسروا السعي والنفقة فلم يحصل لهم مرادهم، وهلكوا بإرسال الله عليهم البعوض، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم ودخلت في دماغ نمروذ بعوضة فأهلكته

ونجيناه أي إبراهيم من النار. ولوطا ابن أخيه هاران الأصغر من الخسف وكان لهما أخ ثالث اسمه ناخور، والثلاثة أولاد آزر. وأما هاران الأكبر فكان عما لإبراهيم، وكانت سارة بنت عم إبراهيم، الذي هو هاران الأكبر. إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (71) في الدين والدنيا أي بلغناهما من العراق، إلى الشام فنزل إبراهيم بفلسطين، ونزل لوط بالمؤتفكة وبينهما مسيرة يوم وليلة. وسبب بركة في الدين، لأن أكثر الأنبياء بعثوا منها، فانتشرت شرائعهم فيها وفي الدنيا لأن الله تعالى بارك فيها بكثرة الماء والشجر والثمر. ووهبنا له أي لإبراهيم عليه السلام إسحاق ويعقوب أي وهبناهما لإبراهيم نافلة أي عطية وفضلا من غير أن يكون جزاء مستحقا، ف «نافلة» منصوب على المصدر. وكلا أي كل واحد من هؤلاء الأربعة، جعلنا صالحين (72) في الدين والدنيا فصاروا كاملين. وجعلناهم أئمة يقتدى بهم في أمور الدنيا، يهدون أي يدعون الناس إلى الخيرات بأمرنا وإذننا، وأوحينا إليهم فعل الخيرات، أي أن يعملوا الشرائع هم وأتباعهم، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وهذان من عطف الخاص على العام، دلالة على إنافتهما فإن الصلاة أفضل العبادات البدنية، والزكاة أفضل العبادات المالية. وكانوا لنا عابدين (73) أي مخلصين في العبادة لا يخطر ببالهم غير عبادتنا. ولوطا آتيناه حكما أي فصلا بين الخصوم. قال الزجاج: أي هذه الجملة عطف على قوله: وأوحينا إليهم. وقال أبو

Page 55