476

Marah Labid

مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد

Enquêteur

محمد أمين الصناوي

Maison d'édition

دار الكتب العلمية - بيروت

Édition

الأولى - 1417 هـ

لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه

وهذه الآية بيان أن الإنسان قليل الصبر عند نزول البلاء، قليل الشكر عند وجدان النعماء فإذا مسه الضر أقبل على التضرع والدعاء مضطجعا أو قاعدا أو قائما، مجتهدا في ذلك الدعاء طالبا من الله تعالى إزالة تلك المحنة، وتبديلها بالمنحة فإذا كشف الله تعالى عنه بالعافية أعرض عن الشكر ولم يتذكر ذلك الضر ولم يعرف قدر الإنعام، وصار بمنزلة من لم يدع الله تعالى لكشف ضره. فالواجب على العاقل أن يكون صابرا عند نزول البلاء شاكرا عند الفوز بالنعماء، وأن يكون كثير الدعاء والتضرع في أوقات الراحة والرفاهية حتى يكون مجاب الدعوة في وقت المحنة.

وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من سره أن يستجاب له عند الكرب والشدائد فليكثر الدعاء عند الرخاء»

«1» . كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون (12) أي هكذا زين لمن بذل العقل والفهم والحواس لأجل لذات الدنيا، وهي خسيسة جدا في مقابلة سعادات الدار الآخرة ما كانوا يعملون من الإعراض عن الذكر، والدعاء والانهماك في الشهوات، والكاف مقحمة للدلالة على زيادة فخامة المشار إليه.

ولقد أهلكنا القرون أي الأمم من قبلكم أي من قبل زمانكم يا أهل مكة مثل قوم نوح وعاد وأشباههم لما ظلموا أي حين فعلوا الظلم بالتكذيب وجاءتهم رسلهم بالبينات أي بالمعجزات الدالة على صدقهم وما كانوا ليؤمنوا أي وقد علم الله منهم أنهم يصرون على الكفر كذلك أي مثل الإهلاك الشديد الذي هو الاستئصال بالمرة نجزي القوم المجرمين (13) أي نجزي كل طائفة مجرمين لاشتراكهم لأولئك المهلكين في الجرائم التي هي تكذيب الرسول ثم جعلناكم يا أهل مكة خلائف في الأرض من بعدهم أي من بعد إهلاك أولئك القرون لننظر كيف تعملون (14) أي لنعاملكم معاملة من يطلب العلم بما يكون منكم من خير أو شر فنجازيكم على حسب عملكم وإذا تتلى عليهم أي أهل مكة الوليد بن المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن المطلب، والأسود بن عبد يغوث، والحارث بن الحنظلة، آياتنا الدالة على بطلان الشرك بينات أي ظاهرة في دلالتها على وحدانيتنا وصحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم قال الذين لا يرجون لقاءنا أي لا يرجون في لقائنا خيرا على طاعة لأنهم لا يؤمنون بالبعث بعد الموت ائت بقرآن غير هذا أي بكتاب آخر على غير ترتيب هذا الكتاب أو بدله بأن تجعل مكان آية العذاب آية رحمة ومكان الحرام حلالا، ومكان الذم مدحا وإنما قالوا ذلك على سبيل السخرية كقولهم: لو جئتنا بقرآن آخر أو بدلت هذا القرآن لآمنا بك أو على سبيل التجربة حتى إنه صلى الله عليه وسلم لو فعل ذلك علموا أنه كذاب في قوله: إن هذا القرآن ينزل عليه من عند الله قل لهم: ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي أي ما يستقيم لي أن أغيره من قبل نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي

Page 481