852
وقف مسلم على صقع ولا نزل بنجع ولا بَلَد بحلة إلا وترك فيها أثرًا من دينه باقيًا. ثم انظر إلى الأقطار التي لم يدخلها العرب قائمين بل انتجعوا إليها متجرين كبعض ولايات الصين وجهات افريقيا الوسطى والروسيا. فلقد بلغ من انتشار الدين الإسلامي فيها أن المسلمين أصبحوا يعدون فيها بالملايين. واذكر أن اتخاذ أهلها هذا الدين عقيدة لهم ما كان كرهًا ولا قسرًا، وإنما كان رضي واختيارًا. إذ لم ينته إلى سمع أحد، ولم يدون في التواريخ شيء من أبناء تجنيد الجند لقسرهم على الإسلام وإلزامهم اتخاذه دينًا يدينون له مكرهين، ويذلون أعناقهم لكلمته مرغمين. وقصارى ما في الأمر أن أولئك التجار كانوا يؤدون غير عامدين عمل المبعوتين في البلدان التي مروا بها لترويج سلعهم، وكانوا في كل خطوة خطوها يبذرون بذور الدين الإسلامي فزكا نبته وفرعت أفنائه واشتدت أصوله حتى أصبح استئصالها بعد ذلك أمرًا وعرًا آد أولئك الذين عالجوا ذلك من أعداء هذا الدين واخصامه المتألبين. ففي بلاد الروسيا التي أخ له فيها مقامًا طيبًا لم يوفق الروسيون لاستئصاله من أرضهم على الرغم من سعيهم المتواصل في هذه السبيل. وهذه بلاد الهند قد أصبح حزب المسلمين فيها لا يقل عن ٥٠ مليونًا ولطالما أفتن مبشروا البروتستانت في أساليب السعي والعمل لمناوته بل كثيرًا ما أيدتهم الحكومة في خطتهم ومالأتهم على قضاء إربتهم فكانت العاقبة لها ولهم الفشل فيما أرادوا. أما عددهم في افريقية فما برح مجهولًا حتى اليوم ولكن الحقيقة الثابتة هي أن الرحالة والمستكشفين من أهل هذا الجيل لم تطأ أقدامهم ثرى بلاد ظنوا أنهم أول طارق لها ألا والتقوا فيها بقبائل تدين على بكرة أبيها بالإسلام، والإسلام في افريقية ينقل المستمسكين منه بالعروة الوثقى إلى حظيرة الحضارة، بعد أن كانوا في بيداء الهمجية هائمين، أو يترك بين أهلها أثرًا من حميد آثاره في نفوسهم.
كتب الموسيو دوفال: بفضل الإسلام وصدق تأثيره في نفوس من دانوا به، سقطت الأنصاب والأصنام، ودرس من بلاد العرب رسمها، فزالت عادة تقريب القرابين من الآدميين، وأكل اللحمات البشرية، واستقرت حقوق المرأة على الأساس الوطيدة، ووضعت الحدود لتعدد الزوجات وقيد بالقيود الكثيرة، فتوثقت العرى بين أفراد الأسرة، ومنح الرقيق المستعبد حق الإندماج في أسرة مولاه الذي هو ملك يمينه، فانفرجت أمامه مسالك الحرية، واستقامت طرقاتها واضحة النهج. ثم أن من معالم الصلاة والزكاة وغيرهما من أركان

13 / 11