196

Les clés de l'invisible

مفاتيح الغيب

Maison d'édition

دار إحياء التراث العربي

Édition

الثالثة

Année de publication

١٤٢٠ هـ

Lieu d'édition

بيروت

Genres

Tafsir
[آل عمران: ٣٨]، ورَبِّ أَرِنِي [الْأَعْرَافِ: ١٤٣] وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الرَّدَّ مِنَ الْكَرِيمِ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَافَهَةِ وَالْمُخَاطَبَةِ بَعِيدٌ وَأَيْضًا الْعِبَادَةُ خِدْمَةٌ، وَالْخِدْمَةُ فِي الْحُضُورِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثَنَاءً، وَالثَّنَاءُ فِي الْغَيْبَةِ أَوْلَى، وَمِنْ قَوْلِهِ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ دُعَاءٌ، وَالدُّعَاءُ فِي الْحُضُورِ أَوْلَى. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: الْعَبْدُ لَمَّا شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ نَوَيْتُ أَنْ أُصَلِّيَ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ فَيَنْوِي حُصُولَ الْقُرْبَةِ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذِهِ النِّيَّةِ أَنْوَاعًا مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ، فَاقْتَضَى كَرَمُ اللَّهِ إِجَابَتَهُ فِي تَحْصِيلِ تِلْكَ الْقُرْبَةِ، فَنَقَلَهُ مِنْ مَقَامِ الْغَيْبَةِ إِلَى مَقَامِ الْحُضُورِ، فَقَالَ: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ.
الْفَصْلُ السادس في قوله وإياك نستعين
معنى قَوْلِهِ: وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ:
اعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ الْعَقْلِيَّةِ أَنَّهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ وُجُوهٌ مِنَ الْعَقْلِ وَالنَّقْلِ، أَمَّا الْعَقْلُ فَمِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْقَادِرَ مُتَمَكِّنٌ مِنَ الْفِعْلِ وَالتَّرْكِ عَلَى السَّوِيَّةِ، فَمَا لَمْ يَحْصُلِ الْمُرَجَّحُ لَمْ يَحْصُلِ الرُّجْحَانُ، وَذَلِكَ الْمُرَجَّحُ لَيْسَ مِنَ الْعَبْدِ، وَإِلَّا لَعَادَ فِي الطَّلَبِ، فَهُوَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَثَبَتَ أَنَّ الْعَبْدَ لَا يُمْكِنُهُ الْإِقْدَامُ عَلَى الْفِعْلِ إِلَّا بِإِعَانَةِ اللَّهِ. الثَّانِي: أَنَّ جَمِيعَ الْخَلَائِقِ يَطْلُبُونَ الدِّينَ الْحَقَّ وَالِاعْتِقَادَ الصِّدْقَ مَعَ اسْتِوَائِهِمْ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَقْلِ وَالْجِدِّ وَالطَّلَبِ، فَفَوْزُ الْبَعْضِ بِدَرْكِ الْحَقِّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِإِعَانَةِ مُعِينٍ، وَمَا ذَاكَ الْمُعِينُ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعِينَ لَوْ كَانَ بَشَرًا أَوْ مَلَكًا لَعَادَ الطَّلَبُ فِيهِ. الثَّالِثُ: أَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يُطَالَبُ بِشَيْءٍ مُدَّةً مَدِيدَةً وَلَا يَأْتِي بِهِ، ثُمَّ فِي أَثْنَاءِ حَالٍ أَوْ وَقْتٍ يَأْتِي بِهِ وَيُقْدِمُ عَلَيْهِ، وَلَا يَتَّفِقُ لَهُ تِلْكَ الْحَالَةُ إِلَّا إِذَا وَقَعَتْ دَاعِيَةٌ جَازِمَةٌ فِي قَلْبِهِ تَدْعُوهُ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَإِلْقَاءُ تِلْكَ الدَّاعِيَةِ فِي الْقَلْبِ وَإِزَالَةُ الدَّوَاعِي الْمُعَارِضَةِ لَهَا لَيْسَتْ إِلَّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا مَعْنَى لِلْإِعَانَةِ إِلَّا ذَلِكَ.
وَأَمَّا النَّقْلُ فَيَدُلُّ عَلَيْهِ آيَاتٌ: أُولَاهَا: قَوْلُهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، وَثَانِيتُهَا: قَوْلُهُ: اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ [الْأَعْرَافِ: ١٢٨] وَقَدِ اضْطَرَبَتِ الْجَبْرِيَّةُ وَالْقَدَرِيَّةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: أَمَّا الْجَبْرِيَّةُ فَقَالُوا: لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُسْتَقِلًّا بِالْفِعْلِ لَمَا كَانَ لِلِاسْتِعَانَةِ عَلَى الْفِعْلِ فَائِدَةٌ، وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَقَالُوا الِاسْتِعَانَةُ إِنَّمَا تَحْسُنُ لَوْ كَانَ الْعَبْدُ مُتَمَكِّنًا مِنْ أَصْلِ الْفِعْلِ، فَتَبْطُلُ الْإِعَانَةُ مِنَ الْغَيْرِ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْفِعْلِ لَمْ تَكُنْ لِلِاسْتِعَانَةِ فَائِدَةٌ.
وَعِنْدِي أَنَّ الْقُدْرَةَ لَا تُؤَثِّرُ فِي الْفِعْلِ إِلَّا مَعَ الدَّاعِيَةِ الْجَازِمَةِ، فَالْإِعَانَةُ الْمَطْلُوبَةُ عِبَارَةٌ عَنْ خَلْقِ الدَّاعِيَةِ الْجَازِمَةِ، وَإِزَالَةِ الدَّاعِيَةِ الصَّارِفَةِ وَلْنَذْكُرْ مَا فِي هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ اللَّطَائِفِ وَالْفَوَائِدِ: - الْفَائِدَةُ الْأُولَى: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: الِاسْتِعَانَةُ عَلَى الْعَمَلِ إِنَّمَا تحسن قبل الشروع في العمل وهاهنا ذَكَرَ قَوْلَهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ ثُمَّ ذَكَرَ عَقِيبَهُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، فَمَا الْحِكْمَةُ فِيهِ؟ الْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ: الْأَوَّلُ: كَأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَقُولُ:
شَرَعْتُ فِي الْعِبَادَةِ فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي إِتْمَامِهَا، فَلَا تَمْنَعْنِي مِنْ إِتْمَامِهَا بِالْمَوْتِ وَلَا بِالْمَرَضِ وَلَا بِقَلْبِ الدَّوَاعِي وَتَغَيُّرِهَا. الثَّانِي: كَأَنَّ الْإِنْسَانَ يَقُولُ: يَا إِلَهِي إِنِّي أَتَيْتُ بِنَفْسِي إِلَّا أَنَّ لِي قَلْبًا يَفِرُّ مِنِّي، فَأَسْتَعِينُ بِكَ فِي

1 / 216