لفقدي ناظري، ولزوم بيتي
وكون النفس في الجسم الخبيث
ومذهب الفيثاغوريين أن وسيلة النجاة هي التطهير والزهد وتغليب العقل على الحواس؛ فإن الحواس كثرة وشقاق تخدعنا بأمور زائلة، والعقل وحدة ومحبة، والغاية القصوى العودة إلى المحبة والوحدة، وإلى هذا ذهب أفلاطون بعدهم فقال: «إن حياة النفس لا تتحقق تماما إلا بخلاصها من المادة في عالم روحي مثلها.» و«العقيدة الثابتة» يدافع عنها بشدة.
والفيثاغورية كالمنظمات الدينية اليوم، عاش أعضاؤها في عفة وبساطة لبس ومأكل، وقد حرمت أكل لحم الحيوان وبعض النبات - كما حرم الحاكم أكل الملوخية مثلا.
لسنا نقول إن أبا العلاء حذا حذو هؤلاء، كما أننا لا نتساءل إن كان المعري عرف ذلك ومن أين عرفه؛ فهو من لدات «إخوان الصفاء» وقد حضر مجلسهم، وقد يكون ناقشهم وجادلهم، حين استشارهم قبل أن يختط خطته التي سار عليها طول حياته.
أليس يقول كما مر بك في رسالته إلى «الجماعة» في المعرة: «فأجمعت على ذلك واستخرت الله فيه، بعد جلائه على نفر يوثق بخصالهم؛ فكلهم رآه حزما وعده، إذا تم، رشدا»؟
لا يليق باللبيب أن يتساءل عن كل هذا لأن عصر المعري أنضج عصور الفلسفة العربية، وأبناؤه عرفوا مثلنا فلسفة اليونان وتأثروا به، كانوا عصبا عصبا وجماعات جماعات يطعمون الأديان بهذه البراعم الجديدة القديمة، والحكومة تطاردهم وتقتلهم فرادى وثنى، صبرا ونقدا، تصلب وتغرق وتشرد وتنفي، والفلسفة تزداد نموا وانتشارا.
كانوا يسمون هؤلاء زنادقة، وأبو العلاء يحددهم لابن القارح بقوله: «أما غيظه - أي ابن القارح - على الزنادقة فآجره الله عليه كما آجره على الظمأ في طريق مكة، واصطلاء الشمس بعرفة، ومبيته بالمزدلفة.» «ولا ريب أنه ابتهل إلى الله، سبحانه، في الأيام المعدودات والمعلومات أن يثبت هضاب الإسلام، ولكن الزندقة داء قديم ... وقد كانت ملوك الفرس تقتل على الزندقة. والزنادقة هم الذين يسمون «الدهرية» ولا يقولون بنبوة ولا كتاب.» ويقول له في مقام آخر إذ يحدثه عن الحلوليين: «ولم تكن العرب الجاهلية تقدم على هذه العظائم، بل كانت عقولهم تجنح إلى رأي الحكماء، وما سلف من كتب القدماء؛ إذ كان أكثر الفلاسفة لا يقولون بنبي.»
وبعد، فما هو الدين عند المعري؟ أليس كالذي عند سقراط؟ تكريم الضمير النقي للعدالة الإلهية؟ لا تقديم القرابين وتلاوة الصلوات من أيد وأفواه ملطخة بالإثم. وإن النفس متمايزة من البدن؛ فلا تفسد بفساده، بل تخلص بالموت من سجنها وتعود إلى الصفاء طبيعتها؟
القوانين العادلة صادرة عن العقل ومطابقة للطبيعة الحق؛ فمن يحترم القوانين العادلة يحترم العقل والنظام الإلهي. والإنسان يريد الخير دائما ويهرب من الشر، فمتى تبين ماهيته وعرف خيره بما هو إنسان، أراده حتما، أما الشهواني فرجل جهل نفسه وخيره، ولا يعقل أن يرتكب الشر عمدا؛ وعلى ذلك فالفضيلة علم والرذيلة جهل. وقد جاء في كتب الفاطميين (الدروز): «الناس مولودون جهالا.»
Page inconnue