Discussions Scientifiques et Sociales
مباحث علمية واجتماعية
Genres
فتعاليم رجال الإصلاح تتناول غاية أعظم، وتستند إلى مبادئ أرسخ، وكلها حقائق ممكنة، كما يدل على ذلك درس أحوال العمران في أطواره المختلفة، فكيف نطبق بين ارتقائه في العصور واعتراضنا على الناقمين، وهو عليهم واحد في كل العصور؟
فالمصلحون الاجتماعيون الطبيعيون يرمون في نظام الاجتماع إلى غرض طبيعي ممكن، هو توفير قوى هذا الاجتماع حتى لا يذهب منها شيء سدى، وحتى لا يبقى فيه أحد غير نافع ومنتفع معا. فهم يطلبون من الإنسان أن يفعل في نظام اجتماع الإنسان ما يفعلونه اليوم بقوى الطبيعة نفسها بتوفيرها والانتفاع بها، وهذا ما نسميه «ناموس الاقتصاد الاجتماعي الطبيعي». ولولا أن هناك أناسا نظريين ربما جاز أن يطلق على نظامهم «ناموس الاقتصاد الاجتماعي القانوني»، لما قلنا هنا «الطبيعي»؛ لأن الاجتماع في الحقيقة طبيعي، هو وكل نواميسه مستفادة من الطبيعة، فإذا رددناه إليها فإنما نكون قد رددنا الشيء إلى أصله ووضعناه في محله.
فهل في نظام الاجتماع اليوم ما تتوفر معه هذه الغاية؟ أم هل في شرائعه مع ما هي عليه من سخافة المبدأ وقلة الأحكام ما يؤملنا أن يبلغها في عهد قريب؟ ولا نستنصر الكثرة والشهرة؛ فالناس مهما عظمت مكانتهم على ضلال حتى يهتدوا. أفلا نرى أن القيام في وجه هذه النظامات واجب لزحزحتها عن مألوفها، ودفع الاجتماع في السبيل السوي لبلوغ الغاية منه؟ أم لا نرى الفائدة من وجود مثل هؤلاء الناقمين على نظام الاجتماع، وقيامهم على اختلاف منازعهم لمصادرته في نظاماته وشرائعه، تارة باللين وأخرى بالعنف، هذا بالترغيب وذاك بالإرهاب، هذا بالجحيم وذاك بالنعيم، هذا بمقاومة الجهل وذاك بنشر العلم؟ أو لا تروعنا مخاطرتهم بأرواحهم وتعريضهم مصالحهم للعبث بها، حتى لقد بلغ التحمس ببعضهم إلى حد الهوس، ولو أن لكثيرين منهم من وراء ذلك أحيانا كثيرة مطامع قريبة؟
فهل مثل هؤلاء يجوز لنا أن نسميهم كسالى لأنهم لم يحركوا سوى قلمهم، أو كبار البطون لأنهم يطلبون للاجتماع مرتعا أخصب، أو صغار العقول لأنهم يطلبون له مطالب تتراءى للجمهور في حينها أنها أحلام، ثم يرتقي الاجتماع فتبدو حقائق باهرة؟ بل ما القول في الفلاح الذي يحرث الأرض ويكد حتى يسمن سواه، وليس لخدمته من خدمة سواه له مكافئ؟ بل ما القول في ذلك الجندي الذي يسرح في النهار كالسائمة، ثم يرد في المساء إلى زريبته نظيرها، ولو عقل أكثر منها لما رضي ذلك لنفسه؟ أولا يظن أن الذود عن الأوطان حتى واكتساح البلدان يمكن بغير التجنيد على ما هو مألوف؟ ولا يخفى أن كلامنا في العمران عموما ككلامنا على نواميس الكون، لا على عالم من العوالم، وإلا اختل التوازن.
أنا لا أنكر أن الطرق التي يتذرع بها الناقمون أحيانا كثيرة مشجوبة، إلا أنه يظهر أن مثل هذا الهز لازم لإحداث التأثير المطلوب، وهو إيقاظ الغافل وتنبيه الفكر للبحث؛ بدليل أن نظام الاجتماع نفسه على ما هو عليه اليوم فيه من الفظائع ما هو مشجوب أكثر، ولكنا ألفناه فلا نتحرك له.
وليعلم أني لم أقف عند الأسماء؛ لأن مرماي الغرض، ولم أسهب البحث في الجزئيات؛ لأن المقام لا يسعها أولا ولأنها العرض، وإذا ضللنا السبيل مرة فلا بأس من طرق سواه، ولأني قبل كل شيء - وهذا المهم - أريد أن أقرر كلية كبرى حاصلة وأخرى ممكنة. أما الأولى فنقص نظام الاجتماع كما هو عن توفير مصلحته كما ينبغي أن تكون. وأما الثانية فتكافل العمران بتوفير قواه. وكل مسعى في هذا السبيل من أين أتى فهو محمود، ويلزمنا أن ننظر فيه نظر الباحث المستفيد، لا أن نقف في وجهه لصده، وإذا وقفنا فلتحويله إلى ما يتراءى لنا أنه الأصلح.
المقالة السابعة والعشرون
الاشتراكية
1
قرأت في المقطم شذرات مختلفة في الاشتراكية، بعضها مناقض للآخر بحسب نظر كتابها فيها.
Page inconnue