L'ère pré-islamique
عصر ما قبل الإسلام
Genres
وكان توزيع الطعام يبدأ من اليوم الذي يتحرك فيه الحجاج إلى منى وعرفات، ويستمر إلى أن يتفرقوا إلى بلادهم، وكان يقدم لهم خلال هذه المدة - وهي تتراوح بين خمسة أو ستة أيام - الثريد واللحم والخبز والزبدة والشعير والتمر، ويقال إن أمية ابن أخيه عبد شمس حسده على رياسته وإطعامه، فتكلف أن يصنع صنيع هاشم فعجز عنه، فشمت به ناس من قريش، وتنافر هو وهاشم، وانتهى الأمر بجلاء أمية عن مكة عشر سنين، فكان ذلك أول خلاف بين هاشم وأمية.
وهاشم هو أول من نظم لمكة رحلتي الشتاء والصيف، الأولى إلى اليمن والثانية إلى الشام.
وأكبر مفخرة لهاشم، هو إطعامه أهل مكة جميعا في سنة أصابهم فيها قحط؛ إذ جلب إليهم من الشام قافلة محملة بالدقيق، ونحر الإبل وأطعمهم من جوع.
وقد ازدهرت الحياة في مكة في عهده ازدهارا كبيرا، وأصبحت تعج بالتجار من الشمال والجنوب، حتى لقد سماها بعض المستشرقين بندقية بلاد العرب «فينيسيا»، وذكر المستشرق «أوليري» في كتابه «بلاد العرب قبل الإسلام» ما خلاصته: «أصبحت مكة مركزا للصيرفة، يمكن أن يدفع فيه التجار أثمان السلع التي ترسل إلى بلاد بعيدة، كما كانت عملية الشحن والتفريغ لهذه التجارة الدولية تتم هناك، كذلك كان يتم التأمين على المتاجر وهي تجتاز الطرق المحفوفة بالمخاطر.» واستطاعت مكة أن تحتكر النقل في الطريق الذي يصل ما بين مكة والشمال، وتتقاضى على ذلك أجورا لا تقل عن أثمان المتاجر التي تحملها، وكان للدول المجاورة بيزنطة وفارس، ممثلين في قلب مكة نفسها «ذكر ذلك الواقدي وأيده الأستاذ لامنس»، وملأت الأعمال التجارية فراغ كل المكيين، حتى لم يكن من أهل مكة من كان يرى أن ينفق وقتا في القيام بأعمال الشرطة والجيش، ومن أجل ذلك كانوا يستأجرون مرتزقة - من أفريقيا هم الأحباش - للقيام بحراستهم، ولكثرة ما كانت تعج به مكة من أفراد من أمم مختلفة اصطبغت بصبغة دولية؛ ودوليتها هذه تفسر لنا - إلى حد كبير - ما دخل لغة قريش من ألفاظ رومية أو فارسية أو حبشية أو غيرها.
وبفضل هذا الازدهار والغنى، استطاع بنو عبد مناف أن يعقدوا معاهدات ومحالفات مع جيرانهم، فلقد روي أن هاشما نفسه عقد مع البيزنطيين وأمراء غسان معاهدة، وأن إمبراطور الدولة البيزنطية أعطى قريشا - في شخص هاشم - حق التجوال في سوريا في أمن وطمأنينة. وكذلك تمكن عبد شمس من أن يعقد معاهدة تجارية مع نجاشي الحبشة، كما دخل نوفل والمطلب في محالفة مع ملك فارس، سمح لهما فيها ولتجار مكة بالتجول في العراق وفارس، وتمت كذلك محالفة مع ملوك حمير، تعهدوا فيها بتشجيع المتاجر القرشية في اليمن.
وفي ظل هذا الرخاء والازدهار توطد نفوذ هاشم في مكة، فلم يجرؤ على منافسته أحد، إلا ما كان من أمر أمية بن عبد شمس الذي بيناه، والذي خرج معه هاشم منتصرا وأكثر نفوذا.
وتقدمت السن بهاشم، وبينما هو في إحدى رحلاته إلى الشام؛ إذ عرج على المدينة مع جماعة من قريش، فاسترعت نظره امرأة جميلة، تشرف على قوم يتجرون لها، فأعجب بها هاشم، ولما عرف أنها غير متزوجة خطبها لنفسه، فقبلت على أن تكون عصمتها بيدها - تلك السيدة هي سلمى بنت عامر الخزرجية - وقد صحبت هاشما إلى مكة، ثم عادت إلى يثرب، حيث ولدت له غلاما سمته شيبة ظل معها في يثرب. (13) عبد المطلب بن هاشم
وخرج هاشم في رحلة تجارية إلى غزة بعد ذلك ببضع سنين، حوالي سنة 510م، فمات في غزة ولم ينجب غير ابنه هذا، فانتقل منصبا الرفادة والسقاية إلى أخيه المطلب، الذي كانت قريش تسميه الفيض لسماحته وكرمه، وتذكر المطلب يوما شيبة ابن أخيه هاشم، فانصرف إلى المدينة لإحضاره، ولما عاد إلى المدينة - وقد أردف الغلام وراءه - حسبه الناس في مكة عبدا اشتراه المطلب، فصاحوا: هذا عبد المطلب، فقال لهم المطلب: هذا ابن أخي هاشم، ومن ذلك الوقت غلب اسم عبد المطلب على شيبة.
ولما بلغ عبد المطلب أشده أقام على ما كان لأبيه، وفي أثناء رحلة المطلب إلى اليمن مات فيها حوالي سنة (520م) فخلفه على المناصب عبد المطلب، ولكن عمه نوفل أبى أن يقيمه على حكومة مكة، ووضع يده على أموال هاشم، ولجأ عبد المطلب إلى أهل مكة، فرفضوا أن يدخلوا بين العم وابن أخيه، فكتب بعد ذلك إلى أخواله بني النجار في المدينة، فجاء لنصرته منهم ثمانون فارسا خرج عبد المطلب لاستقبالهم ودعوتهم إلى بيته، ولكن كبيرهم رفض أن ينزل عن فرسه حتى يرد نوفل الحق لعبد المطلب، وأمام التهديد اضطر نوفل إلى رد مال عبد المطلب إليه، وقام عبد المطلب في مناصب هاشم له السقاية والرفادة، ولكنه كان يلقى عنتا في السقاية؛ إذ كان الماء يجلب إلى الحياض من آبار مبعثرة حول مكة، ولم يكن لعبد المطلب ولد إلا الحارث. (14) حفر عبد المطلب لزمزم
ولكي يسهل عبد المطلب أمر السقاية ظل يحفر في أرض الحرم، عله يحصل على موضع زمزم، التي طمها الجراهمة كما بينا، حتى اهتدى إلى مكانها بين وثني إساف ونائلة، فأخذ يحفر مستعينا بولده الحارث حتى نبع الماء، وظهرت غزالتا الذهب والأسياف والدروع التي دفنها الملك الجرهمي قبل ذلك بثلاثة قرون، وحسدت قريش عبد المطلب، فطلبت نصيبها من هذا الكنز، مدعية أن البئر لها؛ لأنها من سلالة إسماعيل، ولم يكن عبد المطلب من القوة بحيث يمنع نفسه من قريش، فقبل الاحتكام إلى صاحب القداح عند هبل في جوف الكعبة، وجاءت الغزالتان من نصيب عبد المطلب، ولم تخرج القداح لقريش شيئا، فرضخت قريش لحكم هبل، وضرب عبد المطلب غزالتي الذهب ألواحا حلى بها باب الكعبة، وعلق الأسياف على الباب، ويسر ماء زمزم لعبد المطلب سقاية الحجاج، وتصاعدت سمعة عبد المطلب وازداد نفوذه، ونذر عبد المطلب: لئن ولد عشرة بنين ثم بلغوا معه أن يمنعوه من مثل ما لقي حين حفر زمزم، لينحرن أحدهم عند باب الكعبة، وكرت الأعوام، وألفى عبد المطلب حوله عشرة بنين أشداء، فتذكر نذره ودعا الأبناء إلى الوفاء بالنذر فأطاعوا، فاقتادهم إلى صاحب القداح عند هبل، حيث كتب كل واحد من الأبناء اسمه على قدح. (15) افتداء عبد الله بمائة من الإبل
Page inconnue