وقول الآخر: «احتفلت هذه الأعياد.» فجعل احتفل متعديا وهو لا يكون إلا لازما.
وقوله: «لا يحق سوى للإله.» ففصل بين سوى وما أضيفت إليه باللام، والصواب لسوى الإله أو إلا للإله، وهي من الأغلاط القديمة التي سبق لنا التنبيه عليها في غير هذا الموضع.
وأغرب ما جاء من هذا قول القائل: «سيشرع المجلس البلدي بعمل مناقصة عن توريد أولا الرمل وثانيا العربات.» إلى آخره. وهذا مما قصرت عنه لغة الدواوين.
ولقد أطلنا في هذا الفصل إلى حد لم يكن في النية بلوغه، ولعله أدى إلى سأم بعض القراء، وإن آنسنا من جمهورهم تلقيه بالهشاشة والارتياح. على أنه قد بقي من مثل ما أوردناه شيء كثير، حتى إننا لا نكاد نتصفح مقالة من جريدة أو مجلة أو فصلا من كتاب عربي أو معرب إلا نجد فيه مواضع حرية بالتنبيه، بحيث لو أردنا تتبع كل ما نراه مخالفا للصحة للزم أن لا نختم هذه المقالة؛ ولذلك فإنا نأمل أن يكون ما ذكرناه في هذه النبذة كافيا لأن يدعو أذكياء كتابنا، ومن يهمه منهم تصحيح لغته وتنزيهها عن شوائب الأوهام، أن يتنبهوا لتولي ذلك بأنفسهم، ومراجعة نصوص اللغة فيما يشتبه عليهم من الألفاظ؛ فإن ذلك أجدى عليهم وأوسع فائدة من تنبيههم على كلمة كلمة، وكثيرا ما تتفق لهم الفائدة يتناولونها عن غير قصد، فضلا عما يرتسم في ملكاتهم من فصيح الأساليب التي تتكرر عليهم في تلك الأسفار. ولا يتوهمن أن الوصول إلى إصلاح تلك الهفوات يقضي عليهم باستيعاب مواد اللغة حتى يكونوا جميعهم لغويين، كما لا يلزمهم أن يدركوا الغاية منه في يوم واحد ولا في شهر واحد، ولكن لو استثبت أحدهم صحة كلمة واحدة في اليوم لم يأت عليه إلا زمن قليل حتى يخلص كلامه من أكثر تلك العيوب.
وهنا نرفع كلمات شكرنا إلى حضرات رصفائنا الأدباء؛ لما آنسنا فيهم من الإقبال على ما كتبناه في هذا الفصل، والحرص على تتبعه والعمل به، وما قلدنا به جميل رأيهم من إحماد صنعنا وتقريظه مع تفضل بعضهم بنقل تلك المآخذ على صفحات جرائدهم سعيا في زيادة انتشارها وتعميم نفعها، بيد أنا لا بد لنا أن نشير في هذا الموضع إلى أناس منهم لم نبرح إلى يوم كتابة هذه السطور نرى تلك الأغلاط تتكرر في كلامهم، فنجد في ألفاظهم أمثال: العائلة، ولا يخفاك، وصادق المجلس على كذا، والقوم الأغراب، وأمعن النظر، وأسدل الستار، والأعيان المباعة، والمداولات في القضايا، ورضخ إلى النصيحة، والوحوش الكاسرة، وأمكن لي نوال الشيء، وشاع الأمر في النوادي ... إلى غير ذلك مما سبق لنا التنبيه عليه. وهذه كلها مما نقلناه من عدد واحد من إحدى الجرائد. وما كان إصلاح هذه الكلمات بالأمر البعيد على هذا الكاتب لو شاء الإصلاح؛ إذ لم يكن عليه إلا أن يعير انتباهه لما مر به من المآخذ المذكورة، وهي لا تتعدى العشر إلى الخمس عشرة كلمة في كل مرة.
ولكن الظاهر أن بعض كتابنا يعز عليهم الإقلاع عما تعودوه من الركاكة والخطأ، شأن البلاد في سائر ما ألفته حتى في صناعتها وزراعتها وتربية أبنائها ومعالجة أدوائها، وشديد على الإنسان ما لم يعود. ولعل هناك من جذب بعنانه الكبر والدعوى، فتمثل له أن في التصحيح اعترافا بالغلط، فآثر أن يمضي على غلطه إيهاما وتغريرا ومكابرة في الحقائق، مع أن كل من تصفح كلامنا في هذه المقالة يرى أننا قد تحامينا كل ما يبعث على الأنفة ويدعو إلى الإباء؛ لأنا لم نومئ إلى واحدة من تلك الجرائد بعينها، ولم نكد ننقل من إحداها عبارة بحرفها مخافة أن يتنبه إلى موضع النقل، فيفوتنا ما قصدناه من إقبال الكتاب على تصحيح كتاباتهم، وما تنويه من صدق الخدمة وإخلاص القصد في تقويم أود اللغة، وهو الغرض الذي طالما توخيناه وسعينا له منذ ألقينا العصا في هذه الديار، وآنسنا فيها من حركة الأقلام وانتشار المطبوعات ما آذن بتجدد حياة اللغة، ورأينا من تفشي التحريف واللحن والصيغ العامية والأعجمية ما خشينا معه أن يكون ذلك الانتعاش في اللغة مدرجة إلى تأصل الفساد فيها بما يتعذر اقتلاعه.
وكان أول من توجهنا له أن عزمنا على استئناف طبع كتابنا في المترادف الذي سبق الإلماع إليه في أحد أجزاء الضياء، ووضعه بين أيدي الكتاب والدارسين إيثارا لهم بما يتضمنه من وجوه التعبير الصحيح في أكثر ضروب المعاني المتداولة، وإحياء لكثير من ميت ألفاظ اللغة وتراكيبها التي انقطع عهد الأقلام بها منذ قرون. فلما أخفق السعي فيه وجهنا القصد صوب المجمع اللغوي الذي كان قد شرع في تأليفه في هذه العاصمة رجاء أن نستنهض الهمم إلى استئناف العمل فيه، وشرعنا في مقالتنا «اللغة والعصر»، نبين فيها ما وسعه علمنا القاصر من طريقة العرب في وضع ألفاظ اللغة، واشتقاق بعضها من بعض، تذرعا بذلك إلى وضع ألفاظ للمعاني المستحدثة مما كان غرض المجمع المشار إليه؛ فكان كل ما سطرناه في هذا السبيل صرخة في واد أو نفخة في رماد.
ورأينا أن البحث الذي خضنا فيه هناك إذا لم يترتب عليه بحث عملي مما تقدم الإيماء إليه، اقتصرت فائدته على بعض الخاصة والمتبحرين في اللغة، وقليل ما هم؛ فأهملنا تتمة الكلام فيه، وعدلنا إلى انتقاد لغة الجرائد وبيان ما انتشر فيها من الأغلاط الشائعة، مع الإشارة إلى وجوه تصحيحها، علما بأن هذا من أسهل سبل الإصلاح وأقربها؛ لأنا لم ننح فيه منحى القواعد الكلية كما فعلنا في مبحث «اللغة والعصر». ولعل هذا وقد آنسنا فيه مخايل النجح يكون تمهيدا لما هو أهم منه مكانا وأعم منفعة - إن شاء الله تعالى - والأمور مرهونة بأوقاتها. انتهى. •••
يقول جامع هذه النبذة ومتولي طبعها مصطفى توفيق المؤيدي: هذا آخر ما جاء في مجلة الضياء الغراء من الكلام على لغة الجرائد، وتصحيح ما تداولته فيها الأقلام من الأوهام. وقد عثرت على تصحيحات أخر لبعض ألفاظ الكتاب ذكرت متفرقة في بعض فصول مجلة البيان، وفي باب الأسئلة وأجوبتها من مجلة الضياء، فرأيت أن أزيدها هنا توفية للفائدة بعد استئذان المؤلف الفاضل في صياغتها على نسق ما ذكر في هذه المقالة، وها أنا ذا أبدأ بإيرادها على ترتيبها، وبالله التوفيق.
فمن ذلك أنهم يقولون: أنا مديون لفلان في هذا الأمر؛ أي: له علي الفضل فيه، وإنما هي من الألفاظ المعربة عن كلام الإفرنج.
Page inconnue