وأذعن الضابط لما أمر فترك إسفينيس حرا، فهبط الشاب إلى قاربه ووجهه إلى السفينة الفرعونية، وهو يقول لنفسه بارتياح: «كيف جاءت الأميرة في الوقت المناسب؟» ثم صعد إلى سطحها فلم يمنعه أحد من الحراس، وصادف الأميرة قد عادت إلى مقصورتها فمضى إليها بقدمين ثابتتين، وطلب من جارية أن تستأذن له في الدخول .. فغابت في الداخل لحظة ثم جاءت بإذن، فدخل خافق القلب، ورأى الأميرة تجلس إلى متكأ وثير مسندة ظهرها في رخاوة إلى نمرقة محشوة بالقز، ووجهها يشع نورا سنيا، فانحنى بين يديها في إجلال صادق، ورأى وهو يعتدل واقفا عقده ذا القلب الزمردي حول عنقها، فتورد وجهه، ولم يغب عنها شيء مما ينطق به وجهه وعيناه، فقالت بصوت رخيم عذب وهي تشير بأنملتها إلى العقد: أجئت تسألني ثمن هذا العقد؟
فاطمأن الشاب إلى لهجتها العذبة، وسر بدعابتها وقال بإخلاص: بل جئت يا صاحبة السمو لأشكر سموك مخلصا على ما أوليتني من نعمة الحياة، التي سأظل مدينا لك بها ما حييت.
فابتسمت ابتسامة مشرقة لاحت في ثغرها كومضة البرق، وقالت: نعم أنت مدين لي بحياتك. ولا تعجب إذ أقول هذا، فلست ممن يأخذهم الرياء بتصنع الكذب والتواضع، فلقد علمت صباح اليوم أن القائد أبحر بأسطول صغير ليتعرض لقافلتك فلحقت به في السفينة وشهدت جانبا من قتالكما، ثم تدخلت في الوقت المناسب لإنقاذ حياتك.
فوقع هذا المن من قلبه موضع الماء من الصادي، ووجد في نظرة عينيها الناعستين وما أعلنت من رغبتها في إنقاذ حياته، ما جعله ينتشي بخمر السعادة، وسألها: هل أطمع في أن تصارحني مولاتي، بما أعهده فيها من كراهية للرياء والتصنع، بالسبب الذي جعلها تجشم نفسها تعب إنقاذ حياتي؟
فقالت في استرسال وكأنها تسخر مما ظن أنه أحرجها به: أن أجعلك تدين لي بحياتك! - هو دين يسعدني ولا يفقرني.
فرفعت له عينيها الزرقاوين حتى أحس أنه على وشك أن يترنح ويقع على قدميها، وقالت: يا لك من مراء كذوب .. أهذا كلام يقوله مدين لدائنه وهو يوليه ظهره لسفرة لا رجعة منها؟ - كلا يا مولاتي بل لسفرة لها معاد قريب!
فقالت وكأنها تحدث نفسها: إني أسائل نفسي عما عسى أن يكون انتفاعي بهذا الدين؟
ووجب قلبه، ونظر إلى زرقة عينيها فرأى نظرة استسلام وحنو أعذب من الحياة التي وهبته إياها، وأحس أن ما بينهما من هواء ينتفض بحرارة عميقة بسحر يجذب إليه روحيهما ليلتقيا ويمتزجا، ففقد لبه وهوى على قدميها!
ثم سألته وقد هفت ذؤابات من شعرها الذهبي على جبينها الأغر وأذنيها: هل تغيب طويلا؟
فقال وهو يتنهد: شهرا يا مولاتي.
Page inconnue