Carte de la Connaissance
خريطة المعرفة: كيف فقد العالم أفكار العصر الكلاسيكي وكيف استعادها: تاريخ سبع مدن
Genres
سقط كثير من هذه الكتب في أيدي الجنويين (أهل جنوة) الذين قادوا الهجوم؛ فلا بد أن بعضها انتهى به الحال معروضا للبيع أو منسوخا على يد الباحثين، قبل أن يرسل عبر السفن إلى إيطاليا ومنها إلى فرنسا وألمانيا وإنجلترا.
عاد أديلار إلى إنجلترا نحو عام 1116. وأصبح موظفا رسميا في حكومة هنري الأول، ولكنه أيضا بدأ يترجم النصوص التي صادفها في أسفاره، وفي ذلك ترجمته اللاتينية المؤثرة لأطروحة «العناصر» لإقليدس من اللغة العربية. ومن المحير، أنه يوجد ثلاث صيغ مختلفة من هذا النص، وكلها منسوب في الأساس إلى أديلار، ومن ثم تعرف باسم «أديلار 1»، و«أديلار 2»، و«أديلار 3». «أديلار 1» هي الترجمة الأساسية، و«أديلار 2» هي ترجمة تستند إلى «أديلار 1» وعلى تراجم مختلفة أخرى، بينما «أديلار 3» هي تعليق على الصيغة «أديلار 2». أظهرت دراسات أجريت مؤخرا أنه من المحتمل أن يكون روبرت التشستري هو من كتب «أديلار 2»، في إسبانيا، وهي الصيغة التي أوردها تيري من شارتر في كتابه «مكتبة الفنون السبعة الحرة»؛ مما يجعلها الصيغة الأكثر تأثيرا في الصيغ الثلاثة. في القرن الثالث عشر، استخدم الباحث الإيطالي كامبانوس النوفاري الصيغتين الثانية والثالثة ليصنع إصدارا بديلا استمر ليصبح أساس أول إصدار مطبوع. تفكيك شبكة الروابط بين الصيغ المختلفة لنص هو أمر فائق الصعوبة وأحيانا ما يكون محيرا للغاية. ولكن من المذهل أن نرى عدد المرات التي انتقلت فيها المخطوطات من مكان إلى مكان، وأن الباحثين تمكنوا من الحصول على مجموعة متنوعة من النسخ المختلفة حتى ينتجوا الصيغ الخاصة بهم. من الواضح أنه كان يوجد مجتمع على اتصال جيد من أهل الفكر القادر بعضهم على التواصل مع بعض عبر مسافات هائلة. وكما رأينا بالفعل، شكلت شبكة الكنائس والأديرة البندكتية أساسا لهذه الشبكة من التفاعل المتبادل، فربطت شمال إسبانيا بفرنسا وإنجلترا وألمانيا وإيطاليا؛ إذ كان رجال الدين يسافرون بينها حاملين الأخبار والمراسلات، وبالطبع، الكتب.
عندما عاد أديلار إلى إنجلترا، ترجم جداول «الزيج» (جداول فلكية) للخوارزمي؛ وتحديدا النسخة التي عدلها مسلمة المجريطي لتتوافق مع إحداثيات قرطبة. وقد زاد هذا من احتمال أن يكون قد سافر أيضا إلى إسبانيا في فترة زمنية ما، ولكن لا يوجد دليل يدعم هذه الفكرة. في أي من الحالتين، لا بد أن يكون أديلار قد حصل على هذا الكتاب من شخص ذهب إلى إسبانيا، أو كان له صلات هناك. والمرشح الأرجح هو بيتروس ألفونسي، وهو شخصية مثيرة للاهتمام، ولد يهوديا في هواسكا في شمال إسبانيا، ولكنه اعتنق المسيحية في عام 1106، وكان ألفونسو الأول ملك أراجون هو أباه الروحي. لاحقا كتب تفنيدا للعقيدة اليهودية في شكل حوار بين شخصيه، قبل اعتناقه المسيحية وبعده. انتفع ألفونسي من حصوله على تعليم ممتاز للغات؛ إذ كان يجيد العربية والعبرية والرومانسية، ولا بد أنه كان يعرف اللاتينية، ولا شك أنه تعلم الإنجليزية أثناء الأعوام التي قضاها في إنجلترا. أيضا كانت هواسكا في محيط تأثير سرقسطة، بتقليدها المتميز في الرياضيات والبحث العلمي ، وهو ما انتفع منه ألفونسي أيضا. ويشير أحد المصادر إلى أنه عمل لصالح الملك هنري الأول ملك إنجلترا، بصفته طبيبه، وكان بالتأكيد جزءا من دائرة تضم علماء فلك وفلاسفة في مقاطعات غربي إنجلترا؛ في الواقع، قد يكون تشجيعه والكتب التي لا بد أنه قد أحضرها معه إلى إنجلترا السبب وراء بداية ازدهار دراسة الفلك في البلاد في ذلك الوقت. من المرجح أيضا أنه التقى بأديلار عندما كان في المنطقة المجاورة لمدينة باث، وأنهما شرعا في العمل معا على ترجمة جداول «الزيج» وأطروحة «العناصر» بعد ذلك بوقت قصير.
كانت أعمال أديلار، سواء أعماله الخاصة أو تراجمه، تتسم بوجه خاص بأنها توزعت توزيعا جيدا. اقتبس الباحث المجهول في صقلية عبارة من كتاب «أسئلة طبيعية» في تمهيده لترجمته لكتاب «المجسطي»؛ مما يوحي بأنه، على أقل تقدير، قد قرأه. تحتوي بعض حواشي ترجمة أديلار لأطروحة «العناصر» على ملاحظات صغيرة تعطي لمحة كاشفة عن دائرته؛ فتقول إحدى الحواشي الجانبية: «وحده أديلار سيتمكن من فهم هذه المعضلة.» وتقول أخرى بطريقة ساخرة: «ثبتت صحة هذا الطرح الذي طرحناه دونما أي مساعدة من جون.» أما أفضلها: «وداعا، ريجينيروس. كل من لا يعرف كيفية الرد عليك ينبغي عليه أن يقدم لك بقرة بيضاء!»
18
لا يمكننا أن نفترض أن كل الباحثين الذين التقينا بهم قد عملوا في مناخ مماثل يتسم بروح الدعابة والتعاون. يبدو أن أديلار كان يتصف ببراعة وثقافة غير عاديتين، ومن المثير أن نسمع الأصوات في دراسته، يتردد صداها عبر الزمن، جليا ونابضا بالحياة. تظهر هذه التعليقات ما يمكن أن يكون عليه مشروع ترجمة جماعي، وهي من أول الأدلة الثابتة على شيء كنا نظنه في كل مرحلة من مراحل رحلتنا عبر العصور الوسطى. وأخيرا نحصل، هنا، على لمحة عن واحد من «دور الحكمة»، ويمكننا أن نسمع الدردشة الدائرة في غرفة الترجمة، ولو بإيجاز.
أما مسألة ما إذا كان أديلار قد تعلم اللغة العربية فعلا، فهي مسألة شائكة. فقد كان بمقدوره أن يلتقط بسهولة اللغة العربية المنطوقة بدرجة ما في أسفاره، ولكن تعلم قراءة وكتابة اللغة كان أمرا آخر؛ فنظرا للوضع السياسي، كان من الصعب عليه أن يعقد صلة مع الباحثين المسلمين أثناء أسفاره في الشرق. ويبدو أن أديلار كان مفتونا ومعجبا بالعلم العربي، ولكنه لم يكن ذا معرفة غزيرة به كما كان يحب أن يظهر؛ إذ يشير الباحثون المعاصرون إلى غياب مصادر عربية محددة في كتاباته وتوصلوا إلى أنه حصل على معرفته بالعلم العربي واللغة العربية شفاهية، وليس عن طريق القراءة. على سبيل المثال، عندما سافر أديلار إلى طرسوس في قيليقية، تعلم التشريح البشري من رجل مسن، بين له كيفية عمل الأوتار بتعليق جثة في ماء جار. ويصف أيضا اختباءه تحت جسر بالقرب من أنطاكية عندما ضرب زلزال المنطقة، وهي تفصيلة تتيح لنا معرفة التاريخ وهو عام 1114. تقع أنطاكية، التي تأسست في القرن الرابع قبل الميلاد على يد واحد من قادة الإسكندر الأكبر، على ضفاف نهر العاصي. كانت أنطاكية، مع سلوقية بييريا، مينائها البحري على البحر المتوسط، مركزا رئيسيا على طريق الحرير، ينعم برخاء متنام لدرجة أنها نافست مدينة الإسكندرية في بعض الأحيان. عاشت فيها جاليات من اليهود لقرون، وكذلك بعض أوائل المسيحيين. ومع استيلاء الصليبيين على المدينة، سنة 1098، كانت قد حكمتها الإمبراطورية العربية والبيزنطيون، ولفترة وجيزة، الأتراك السلاجقة. وقد أفسح هذا المجال لخليط ثقافي فعال وكثير من الفرص لتبادل الأفكار. كانت اللغة العربية هي لغة أنطاكية الرئيسية، وسرعان ما أصبحت المدينة قاعدة مهمة للأوروبيين الغربيين في الشرق الأوسط. وكان البيزيون (أهل مدينة بيزا) هم أول من استغل ذلك، وتبعهم بعد وقت قصير الفينيسيون والجنويون. كان البيزيون قد ساندوا الصليبيين بالسفن والدعم البحري. وكانت مكافأتهم عبارة عن حي في مدينة أنطاكية، حيث استقروا سنة 1108، وأنشئوا مراكز تجارية على امتداد الساحل ونظموا أساطيل تجارية، كانت تنقل حمولات من التوابل والسكر والقطن والنبيذ والأقمشة الغالية إلى إيطاليا. كانت توجد أحياء للبيزيين والفينيسيين في القسطنطينية أيضا، بوصفها جزءا من شبكة التأثير الأوروبي المتنامية في الشام ومنطقة شرق البحر المتوسط.
طوال هذه الحكاية رأينا كيف تفتح التجارة سبلا تتدفق من خلالها المعرفة والأفكار، بفضل التجار والدبلوماسيين، الذين كثيرا ما كانوا علماء، أيضا. وكان كثير من البيزيين يندرجون ضمن هذه الفئة. في أوائل القرن الثاني عشر، غادر ستيفن الأنطاكي مدينة بيزا وسافر إلى سوريا، حيث تعلم العربية وأنتج ترجمة جديدة لكتاب «كامل الصناعة الطبية» لعلي بن العباس؛ لأنه لم يعتبر أن نسخة قسطنطين أفريكانوس، المسماة «الكليات»، غير كافية فحسب، بل غير دقيقة أيضا. ربما يكون ستيفن قد زار أنطاكية في نفس وقت زيارة أديلار لها، وإن كان كذلك، فمن المغري أن نفترض أنهما التقيا. لا بد أن مجتمع الباحثين كان صغيرا للغاية؛ لذا ليس الأمر خارج نطاق الاحتمال على الإطلاق. من المؤكد أن أديلار كان من شأنه أن يبحث عن أفراد لهم الاهتمامات الفكرية نفسها أينما ذهب. بل إنه من الممكن أن يكون ستيفن هو مصدر الإلهام لنشاط أديلار اللاحق في الترجمة ويمكن أن يكون قد ساعده في الحصول على المخطوطات.
ثمة دليل واحد يشير إلى أن أديلار حصل على كتب في أنطاكية؛ وهو دليل يعود بنا لفترة وجيزة إلى إسبانيا. فقد كتب يوحنا الإشبيلي في تمهيد ترجمته لكتاب ثابت بن قرة «كتاب الطلاسم» أن النسخة التي عمل منها كانت مملوكة لرجل من أنطاكية. وقد أشار الأستاذ تشارلز بيرنت، أكبر عالم متخصص في وقتنا هذا في هذه الفترة، إلى أن هذا الرجل يمكن أن يكون أديلار، الذي ترجم هو نفسه «كتاب الطلاسم» بعد عودته إلى إنجلترا، مستبدلا على نحو هزلي مدينة باث ببغداد في تعويذة تخليص مدينة من العقارب.
19
Page inconnue