Le Gagne-pain

الكسب

Enquêteur

د. سهيل زكار

Maison d'édition

عبد الهادي حرصوني - دمشق

Édition

الأولى، 1400

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد، شمس الأئمة، وفخر الإسلام أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي - إملاء - رحمه الله: وإذ قد أجبتكم إلى ما سألتموني من إملاء شرح المختصر على حسب الطاقة وقدر الفاقه، بالآثار المشهورة والاشارات المذكورة في تصنيفات محمد بن الحسن رحمه الله، لإظهار وجه التأثير وبيان طريق التصوير، رأيت أن الحق به إملاء شرح " كتاب الكسب " الذي يرويه محمد بن سماعه عن محمد بن الحسن رحمه الله، وهو من جملة تصنيفاته، إلا أنه لم يشتهر لأنه لم يسمع رحمه الله، وهو من جملة تصنيفاته، إلا أنه لم يشتهر لأنه لم يسمع [1 - و] منه ذلك أبو حفص ولا أبو سليمان رحمهما الله، ولهذا لم يذكره الحاكم رحمه الله في المختصر، وفيه من العلوم ما لا يسع جهلها،

Page 31

ولا تخلف عن علمها، ولو لم يكن فيه إلا حث المقتبسين على مشاركة المكتسبين في الكسب لأنفسهم، والتناول من كد يديهم لكان يحق على كل أحد إظهار هذا النوع من العلم.

وقد كان شيخنا الإمام رحمه الله بين بعض ذلك على طريق الآثار فنذكر ما ذكرناه تبركا بالمسموع منه، ونلحق به ما تكلم فيه أهل الأصول رحمهم الله، وما يجود به الخاطر من المعاني والإشارات.

Page 32

الكسب محمد بن الحسن الشيباني

Page 1

باب

الاكتساب في عرف أهل اللسان تحصيل المال بما يحل من الأسباب واللفظ في الحقيقة يستعمل في كل باب وقد قال الله تعالى {أنفقوا من طيبات ما كسبتم} وقال عز وجل {وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم} أي بجنايتكم على أنفسكم فقد سمى جناية المرء على نفسه كسبا وقال جل وعلا في آية السرقة {جزاء بما كسبا} أي باشرا من ارتكاب المحظور فعرفنا أن اللفظ مستعمل في كل باب ولكن عند الاطلاق يفهم منه اكتساب المال

ثم بدأ محمد رحمه الله الكتاب بقوله طلب الكسب فريضة على كل مسلم كما أن طلب العلم فريضة وبهذا اللفظ يرويه ابن مسعود رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم = أنه قال طلب الكسب فريضة على

Page 32

لى كل مسلم وفي رواية قال طلب الكسب بعد الصلاة المكتوبة الفريضة بعد الفريضة وقال النبي صلى الله عليه وسلم طلب الحلال كمقارعة الأبطال ومن بات ناويا من طلب الحلال بات مغفورا له وقد كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقدم درجة الكسب على درجة الجهاد فيقول لأن أموت بين شعبتي رحلي أضرب في الأرض أبتغي من فضل الله أحب إلي من أن أقتل مجاهدا في سبيل الله لأن الله تعالى قدم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضله على المجاهدين بقوله تعالى {وآخرون يضربون في الأرض} وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صافح سعد بن معاذ رضي الله عنه يوما فإذا يداه أكنبتا فسأله النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال أضرب بالمر والمسحاة في نخيلي لأنفق على عيالي فقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم يده وقال كنان يحبهما الله تعالى وفي هذا بيان أن المرء باكتساب مالا بد له ينال من الدرجة

Page 33

أعلاها وإنما ينال ذلك بإقامة الفريضة ولأنه لايتوصل إلى إقامة الفرض إلا به فيكون فرضا بمنزلة الطهارة لأداء الصلاة

وبيانه من وجوه

أحدها أن يمكنه من أداء الفرائض بقوة بدنه وإنما يحصل له ذلك بالقوت عادة ولتحصيل القوت طرق الاكتساب أو التغالب أو الانتهاب وبالانتهاب يستوجب العقاب وفي التغالب فساد والله لا يحب الفساد فتعين جهة الاكتساب لتحصيل القوت وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم نفس المؤمن مطيته فاليحسن إليها يعني الاحسان بأن لايمنعها قدر الكفاية وإنما يتوصل إلى ذلك بالكسب ولأنه لايتوصل إلى أداء الصلاة ألا بالطهارة ولابد لك من كوز تستقي به الماء أو دلو ورشاء ينزح به الماء من البئر وكذا لايتوصل إلى أداء الصلاة إلا بستر العورة وإنما يكون ذلك بثوب ولا يحصل له إلا بالإكتساب عادة وما لا يتأتى إقامة الفرض إلا به يكون فرضا في نفسه

الكسب طريق المرسلين صلوات الله عليهم أجمعين وقد أمرنا بالتمسك بهم والاقتداء بهديهم قال الله تعالى {فبهداهم اقتده} وبيان أن أول من اكتسب أبونا آدم صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} أي تتعب في طلب الرزق

وقال مجاهد رحمه الله في تفسيره لا تأكل خبزا بزيت حتى تعمل

Page 34

عملا إلى الموت

وفي الآثار أن آدم عليه السلام لما هبط إلى الأرض أتاه جبرائيل عليه السلام بالحنطة وأمره بأن يزرعها فزرعها وسقاها وحصدها وداسها وطحنها وخبزها فلما فرغ من هذه الأعمال حان وقت العصر أتاه جبرائيل عليه السلام وقال إن ربك يقرئك السلام ويقول إن صمت اليوم غفرت لك خطيئتك وشفعتك في أولادك فصام وكان حريصا على تناول ذلك الطعام لينظر أنه هل يجد من الطعم ما كان يجد له لطعام الجنة فمن ثمة حرص الصائمون بعد العصر على تناول الطعام

وكذا نوح عليه السلام كان نجارا يأكل من كسبه وإدريس عليه السلام كان خياطا وابراهيم عليه السلام كان بزازا على ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال عليكم بالبز فإن أباكم كان بزازا يعني الخليل عليه السلام وداود عليه السلام كان يأكل من كسبه على ما روي أنه كان يخرج متنكرا فيسأل عن سيرته أهل مملكته حتى استقبله جبرائيل عليه السلام يوما على صورة شاب فقال له داود عليه السلام كيف تعرف داود أيها الفتى فقال نعم العبد داود إلا أن فيه خصلة فقال وما هي قال إنه يأكل من بيت المال وإن خير الناس من يأكل من كسبه فرجع داود عليه السلام إلى محرابه باكيا متضرعا يسأل الله تعالى ويقول اللهم علمني كسبا تغنيني به عن بيت المال فعلمه الله تعالى

Page 35

صفة الدرع ولين له الحديد حتى كان الحديد في يده كالعجين في يد غيره قال الله تعالى {وعلمناه صنعة لبوس لكم} فكان يصنع الدرع ويبيع الدرع بإثني عشر ألفا فكان يأكل من ذلك ويتصدق وسليمان صلوات الله عليه كان يصنع المكاتل من الخوص فيأكل من ذلك وزكريا عليه السلام كان نجارا وعيسى عليه السلام كان يأكل من غزل أمه وربما كان يلتقط السنبلة فيأكل من ذلك وهو نوع اكتساب ونبينا صلى الله عليه وسلم كان يرعى في بعض الأوقات على ما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه رضي الله عنهم يوما كنت راعيا لعقبة بن أبي معيط وما بعث الله نبيا إلا استرعاه وفي حديث السائب بن شريك عن أبيه رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم شريكي وكان خير شريك لايداري ولا يماري أي لايلاج ولا يخاصم قيل في ماذا كانت الشركة بينكما فقال في الأدم

وازدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجرف على ما ذكره محمد رحمه الله في كتاب المزارعة ليعلم أن الكسب عن طريق المرسلين عليهم السلام

Page 36

ثم الكسب نوعان كسب من المرء لنفسه وكسب منه على نفسه فالكاسب لنفسه هو الطالب لما لابد له من المباح والكاسب على نفسه هو الباغي لما عليه فيه جناح نحو ما يكون من السارق والنوع الثاني حرام بالإتفاق قال الله تعالى {ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه} وقال عز وجل {ومن يكسب خطيئة أو إثما} الآية والمذهب عند الفقهاء من السلف والخلف رحمهم الله أن النوع الأول من الكسب مباح على الاطلاق بل هو فرض عند الحاجة

وقال قوم من جهال أهل التقشف وحماقى أهل التصوف إن الكسب حرام لا يحل إلا عند الضرورة بمنزلة تناول الميتة وقالوا إن الكسب ينفي التوكل على الله أو ينقص منه وقد أمرنا بالتوكل قال الله تعالى {فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} فما يتضمن نفي ما أمرنا به من التوكل يكون حراما والدليل على أنه ينفي التوكل قوله صلى الله عليه وسلم لو توكلتم على الله حق التوكل لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا وقال تعالى {وفي السماء رزقكم وما توعدون} وفي هذا حث على ترك الاشتغال بالكسب وبيان أن ما قدر له من الموعود يأتيه لا محالة وقال عز وجل

Page 37

{وأمر أهلك بالصلاة} الآية والخطاب وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم فالمراد منه أمته فقد أمروا بالصبر والصلاة وترك الاشتغال بالكسب بطلب الرزق وقال تعالى {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} وفي الاشتغال بالكسب ترك ما يأمر المرء لأهله وأمر به من عبادة ربه وإليه أشاز النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ما أوحي إلي أن أجمع المال وأكون من التاجرين وإنما أوحي إلي {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} الآية وما في القرآن من ذكر البيع والشراء في بعض الآيات ليس المراد التصرف في المال والمكسب بل المراد تجارة العبد مع ربه عز وجل ببذل النفس في طاعته والاشتغال بعبادته فذلك يسمى تجارة وقال الله تعالى {هل أدلكم على تجارة} الآية وقال عز وجل {إن الله اشترى من المؤمنين} الآية والمراد هذا النوع وهو بذل النفس لنيل الثواب بالجهاد وأنواع الطاعة وكذا قد سمن الله تعالى أخذ المال لإرتكاب ما لايحل له في الدين بايعا نفسه قال الله تعالى {ولبئس ما شروا به أنفسهم} وقال عز وجل {اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا}

Page 38