غير أن الحس أو الفكر لا ينتقل إلى العضل إلا في غياب الحس والفكرة التي من قبيله، فإذا كان الألم شديدا جدا يستوعب الشعور كله فهو لا ينتقل إلى العضلات عند المفاجأة؛ لأنه يجد طريقه في اتجاه الشعور بغير عائق يصده عن مجراه.
ويستطيع من شاء أن يحقق ذلك بمنظر يذكره أو يتخيله على وفاق المألوف من تجاربه ومشاهداته: إذا جلس الناس في مأتم وحدثت على مشهد منهم مفاجأة مضحكة فقد يضحك الغرباء عن المأتم، وقد يضحك الصغار الحاضرون وإن كانوا من أهل الميت، ولكن الكبار المفجوعين لا يضحكون؛ لأن شعورهم يفيض في مجراه ولا تشغله المفاجأة المضحكة حتى تنتقل من الحس إلى حركة العضلات، وربما أثارهم وأغضبهم أن يروا أمامهم أحدا يضحك وهم مغلوبون بالأسى والفجيعة.
وملاحظة سبنسر هذه مهمة جدا في تصحيح التعريفات الأخرى، ومنها تعريف أفلاطون وأرسطو وغيرهم للضحك؛ إذ يقولون: إنه نتيجة الشعور بالسخف أو التشويه الذي لم يبلغ مبلغ الإيلام والإيذاء.
فالألم مانع للضحك؛ لأنه يشغل الشعور بغير المضحكات، ومتى اشتغل الشعور بشيء آخر لم يشعر الإنسان بالجمال ولا باللذة ولا بالسرور، وليس الأمر هنا خاصا بالمضحكات دون المحاسن واللذات والمسرات.
إن المفاجأة التي تعوق الإحساس عن مجراه وتحوله إلى العضلات كافية وحدها للضحك ولا حاجة معها إلى استثناء الألم؛ لأن الألم استثناء لكل شعور وليس بالاستثناء للمضحكات دون سواها.
أما إذا كان الإحساس من القوة بحيث لا تعوقه المفاجأة فإنه يجترفها في طريقه ولا يتحول إلى العضلات، ولا يحدث الضحك من ثم على الرغم من جميع المفاجآت.
وإذا قال قائل عن جدول الماء: إنه يجري ما لم يعقه عائق؛ فهو لا يقول لنا شيئا عن طبيعة الماء دون غيره، فهكذا يحدث لكل متحرك أنه لا يتحرك مع وجود العائق في طريقه، سواء في ذلك حركة الماء وحركة البخار وحركة السهم وحركة القذيفة من أقوى المدافع والراميات.
وكذلك يكون من قبيل تحصيل الحاصل أن يقال: «إن الضحك يحدث ما لم يمنعه الألم»؛ فإن الألم يحجب الشعور بالمضحكات وغير المضحكات، يحجب المتعة بالنكتة كما يحجب المتعة بالجمال والجلال واللذة وبدائع الفنون على الإجمال.
ويؤكد هذا ما لاحظناه آنفا على تعريف أرسطو الذي يشترط في الدمامة المضحكة ألا تبلغ حد الإيلام؛ فإن الإنسان البليد لا يتألم ولا يفطن للضحك في وقت واحد، وإذا جمعنا اثنين أحدهما مرهف الإحساس والذهن والآخر ثقيل الإحساس والذهن فلا يلزم أن يكون هذا أكثر فطنة للضحك من ذاك لأنه بطيء الألم، بل يبطئ شعوره بالألم وشعوره بالضحك في وقت واحد، ويغفل عن التشويه كله بجميع درجاته فلا يلمحه ولا يحسه في درجة من الدرجات.
ومن ثم ننتهي بعد ما تقدم إلى الثقة من شرط واحد في المضحكات وهو شرط المفاجأة التي تتحول بالشعور عن مجراه ، فإذا كان الشعور جاريا في مجراه - كشعور الحزن العميق - فالمفاجأة لا تدفعه إلى الضحك، وإذا كان في المجلس نفسه أحد لا يبلغ منه الحزن ذلك المبلغ من العمق والاستغراق فإنه يضحك من المفاجأة؛ لأنها تستطيع أن تتحول بالمنظر أو المسمع من حس الأعصاب إلى حركة العضلات.
Page inconnue