Alfred Russel Wallace
أن الضحك وسائر الخصائص الإنسانية التي ينفرد بها النوع الإنساني لا تقبل التفسير بالانتخاب الطبيعي وتطور أنواع الحيوان، وهو يتساءل كيف يفسر لنا الانتخاب الطبيعي ملكات الرياضة والموسيقى والإحساس بما فوق الطبيعة، ويعود فيقول: إن ملكة الفكاهة من هذا الطراز بين الخصائص الإنسانية؛ لأنها تحتاج جميعا إلى تفسير غير تفسير الصراع على الحياة وتنازع البقاء، ولو كانت من هذه الأسلحة في النوع الإنساني لما كان مفهوما كيف يتجرد منها معظم الناس ولا تتوافر لغير العدد القليل منهم في أرقى الحضارات، ولا كان مفهوما كيف يتجرد منها الهمج والأوائل الفطريون كما يتجرد منها الأكثرون بين المتحضرين، فهي كما قال في تطبيقه المذهب الدارويني على الإنسان أخلق بأن تفسر بالمنحة الإلهية التي يختص بها الخالق بعض الطبائع الموهوبة، ولن تقبل التفسير بغير ذلك ولو باعتساف شديد.
ومن رأي داروين أن الضحك قد يوجد بمعزل عن التفكير كما يلاحظ على البلهاء وصغار الأطفال الذين يضحكون ليعبروا عن حالة الرضا والارتياح ولا يصحبون ذلك بفكرة أو خاطرة ذهنية، والأصحاء من الراشدين تعتريهم حالات الضحك لأسباب غير أسبابه في الطفولة، ويصدق هذا على الضحك ولكنه لا يصدق على الابتسام، وكأنما يعبرون بالضحك عن حالة مقابلة لحالة البكاء الذي يقترن بالشدة والكآبة العقلية كما يقترن بالخوف والغضب، ولعل شيئا من الغرابة المفاجئة مع شيء من الشعور بالتفوق هو أشيع الأسباب لضحك الكبار الراشدين، ومن الواجب ألا تكون الظروف على جانب عظيم من الخطر والجسامة، فإن الرجل الفقير - مثلا - لا ينتظر منه أن يضحك إذا سمع فجأة أنه كسب مقدارا كبيرا من المال، ولكن العقل إذا هاجه الشعور بالمسرة وطرأت عليه خاطرة صغيرة غير متوقعة، فالنشاط العصبي يفرج عن نفسه بتحريك العضلات تلك الحركة التشنجية الخفيفة التي نسميها الضحك. قال في كتابه عن تعبيرات العواطف في الإنسان:
إن الجنود الألمان أثناء حصار باريس كانوا يندفعون إلى الضحك لكل تفاهة من تفاهات النكتة بعد طول التعرض للخطر الشديد. ويقول مستر هنتون من سان فرنسسكو: إنه كان يتناوبه الصياح والضحك وهو على التلال عند الباب الذهبي معرض لأفدح الأخطار. وهكذا يشاهد على الأطفال الصغار وهم يهمون بالبكاء أن بكاءهم يتحول إلى ضحك حين يطرأ أمامهم طارئ غير متوقع، مما يفهم منه أن الضحك يفيدهم في تصريف فيض الجهد العصبي الذي يحسونه على تلك الحال.
وينظر داروين إلى أسلوب المجاز حيث يقول القائل: إن الخيال دغدغته فكرة مضحكة، فيلاحظ أن دغدغة الخيال مماثلة لدغدغة الجسد ويتخذ المثل من ضحك الأطفال و«تشنج» أجسامهم الصغيرة بفعل الدغدعة ثم يلاحظ أن القردة العليا تبدر منها أصوات مرددة في مثل هذه الحالة، ويعود فيفرق بين الضحك من فكرة مازحة والضحك من أثر الدغدغة إلا في أمر واحد هو أن يكون الفكر في حالة راضية، فكما أن الطفل يصيح ولا يضحك إذا دغدغه رجل غريب واشتدت عليه حركة الدغدغة، كذلك ينبغي أن يكون الفكر بعيدا من الجفوة والشعور بالاكتراث والاهتمام، وتحدث الدغدغة الجسدية في المواضع التي لا تتعرض كثيرا للمس، ولا يكون موضع الدغدغة معروفا قبلها، وكذلك تحدث الدغدغة الفكرية من خاطر غير معهود ولا معروف قبل ذلك، ويبدو أن عنصر الطروء أو المنافرة الذي يجري في سياق التفكير هو العنصر القوي في تكوين المضحكات.
ثم يراقب داروين عوارض الضحك على الوجه والجسم ويحصيها إحصاء دقيقا في تتابعها على حسب الرخاوة أو العنف في الشعور، ويقرر أن الشعور العنيف كله يتخذ تعبيرا واحدا في حالتي الحزن والسرور، وأن مشاهدة ذلك ميسورة لمن يراقب العصابيين (الهستيريين) والأطفال لسرعة تأثرهم بأنواع الإحساس؛ فإنهم يتراوحون بين الضحك والبكاء في الوقت الواحد، وينتقلون من الشعور إلى نقيضه لأنهما عندهم متقاربان. وشأن القبائل الفطرية عند داروين كشأن الأطفال في هذه الخصلة؛ لأنه رأى في جزر ملقة نساء يبكين إذا أغربن في الضحك، وروى أقوال السائحين عن سكان أستراليا الأصلاء، فقال إنهم يقفزون ويصفقون وتغرورق أعينهم بالدموع وهم مرحون ضاحكون، ثم قال: إن الأستراليين والأوروبيين يتشابهون في ضحكهم جميعا من رؤية المحاكاة. ومن القبائل الفطرية في جزيرة سيلان أناس لا يضحكون لمنظر قط من المناظر المضحكة - فيما رواه هارتشورن
Hartshorne - لأنهم يقولون إذا سألوا مستغربين: وما الذي يدعو إلى الضحك في هذا أو ذاك؟ إلا أن الابتسام والضحك في جميع الأمم يجريان في مسلك واحد فلا يستطاع وضع الحد الحاسم في الحركات أو المعاني بين دواعي الضحك ودواعي الابتسام.
وظاهر من دراسة داروين كلها للتعبيرات الإنسانية والحيوانية أنه يتجه بمراقبته إلى العوارض الجسدية التي تعم جميع بني الإنسان وقد تعم بعض الحيوان في بعض الأحوال، والعوارض الجسدية أدق لديه من العوارض الأخرى التي لا يسهل ضبطها وتعميمها، ولا يسهل كذلك تعليلها بالانفعالات المشتركة بين الناس من جانب وبين الناس والأحياء العليا من الجانب الآخر. وهو على خلاف زميله في مذهب النشوء والتطور - ألفرد ولاس - موكل بالتعميم والأشباه الشائعة دون تلك الملكة الخصوصية التي يرى صاحبه أنها مزية محدودة لا يفسرها تنازع البقاء كأنها ملكة الإدراك الرياضي والبداهة الموسيقية وما إليها، فبينما يهبط داروين إلى عوارض الضحك التي يقل فيها التفكير كضحك الأطفال والعصابيين والقبائل الفطرية؛ يرتفع ولاس إلى ملكة الفكاهة العالية التي يمتاز بها آحاد من النوابغ قلما يزيد عددهم على عدد العباقرة الذين يكشفون خفايا الحقائق الرياضية ودقائق النسب الموسيقية، ويعلمون الناس كيف يفهمونها ويدركونها بعقولهم وبصائرهم فلا يتيسر للكثيرين أن يجاروهم على فهمها وإدراكها.
والنزعة الوجدانية هي سر الاختلاف في النظرة إلى المضحكات بين العالمين الكبيرين؛ فداروين يبحث عن وحدة الأنواع الحيوانية فيهبط إلى مواطن الشبه بين أرقى الأحياء وأقل الناس، ويعقد الصلة بين هؤلاء وهؤلاء بوحدة العوارض الجسدية التي تصاحب الضحك من تأثير الدغدغة أو تأثير المشاهدات الحسية. ويعنيه أن يراقب عوارض الدغدغة في القردة التي تتأثر بعض المواضع في أجسامها باللمس المفاجئ على غير المألوف.
وكل هذا لا يفسر الملكة التي يعنيها زميله ولاس ويعلو بها إلى الطبقة التي ينفرد بها الآدميون، بل ينفرد بها آحاد من الآدميين؛ لأن نزعته الوجدانية تتجه إلى الإيمان بالروح الإلهي ومزاياه التي يفيضها على الأرواح الإنسانية كلما تهيأت لها بهداية السماء.
Page inconnue