Jawhar Insaniyya
جوهر الإنسانية: سعي لا ينتهي وحراك لا يتوقف
Genres
وسأقتصر على وصف اللغات التي تتحدث بها المجتمعات التي تطورت لتصبح حضارة. يؤدي التحدث إلى الأدب، لكن هذا ليس مطلبا أساسيا لبدء ثقافة؛ فالإنكا كانوا يفتقرون إلى النصوص المكتوبة، ومع ذلك فقد صنعوا حضارة متطورة في جوانب أخرى كأي حضارة أخرى. ومن ناحية أخرى، تساعد الكتابة بالفعل كثيرا في حكم مجتمع متزايد. تبدو أقدم السجلات المكتوبة هي الخاصة بالسومريين منذ 5400 سنة. كان الاستخدام الأساسي للكتابة في المراسيم والنصوص الدينية، رغم أنه سرعان ما تبعها تدوين الحسابات (أو العكس).
5
يمكننا الإشارة في هذا الشأن إلى أنه رغم عدم اختراع الإنكا للنصوص المكتوبة، فإنهم استخدموا حزما من الخيوط مربوطة بأشكال مختلفة لأغراض حسابية (كما فعل الصينيون القدامى).
يذكر دنبار رقما يبلغ نحو 150 شخصا بوصفه الحجم الحرج لبدايات اللغة؛ فمعظم الناس يعرفون عددا من الأصدقاء يصل إلى هذا الرقم - ونادرا ما يتخطاه - يمكنهم إقامة حوار جيد معهم. فهو يقارن أحجام مجموعة التنظيف لدى أجناس متنوعة من الرئيسيات (السعادين والقردة) بأبعاد القشرة المخية الجديدة، وهذا جزء من الطبقة الخارجية للمخ (القشرة) يهتم بوظائف دماغية أعلى مثل التفكير والذاكرة والإدراك. ولدى معظم الثدييات تمثل القشرة الجديدة من 30 إلى 40٪ من إجمالي حجم المخ، لكن لدى الرئيسيات تكون هذه النسبة أعلى؛ من 50٪ لدى السعالي البدائية (السعادين البدائية) إلى 80٪ لدى البشر. قارن دنبار حجم القشرة الجديدة مع العدد الذي تتكون منه حلقة التنظيف. وبما أن حجم المخ يتناسب مع كتلة الجسم،
6
فإن الثدييات الأكبر حجما ستصبح لديها قشرة جديدة أكبر بصرف النظر عن حجم حلقة التنظيف. وعليه، حسب دنبار نسبة القشرة الجديدة (حجمها مقسوما على وزن الجسم) في مقابل حجم دائرة التنظيف، وجاء استنتاجه بأن كليهما مرتبطان. فلدى الشمبانزي، على سبيل المثال، تكون نسبة القشرة الجديدة 3 وحجم دائرة التنظيف 70. ولدى البشر تكون نسبة القشرة الجديدة 4، التي يستدل منها على حجم حلقة تنظيف، أو بالأحرى ثرثرة، يصل إلى 150.
7
هل نمو القشرة الجديدة هو الذي يسمح للرئيسيات بتذكر عدد متزايد من المعارف يمكنها ممارسة التنظيف أو الثرثرة معها، أم أن هذا النشاط في حد ذاته هو الذي يحث على تكوين المزيد من عصبونات القشرة الدماغية؟ يميل المرء إلى التفكير في الاحتمال الثاني، وتوجد بعض الأدلة على ذلك. فعلى سبيل المثال، يبدو أن تواصل الطيور المغردة مع غيرها أدى إلى زيادة عدد عصبونات القشرة الدماغية؛ فإذا ترك ذكر من الطيور المغردة
8
وحده أو مع أنثى، تحدث لديه زيادة طفيفة في عدد عصبوناته، أما إذا سمح له بالاختلاط مع 45 طائرا مغردا آخر، فإن الزيادة تتضاعف.
Page inconnue