200

وقال القرافي: إن الكفر انتهاك خاص لحرمة الربوبية، ويكون بالجهل بالله أو بصفاته أو بالجراءة عليه.

وتعقب بأن هذا النوع هو المجال الصعب لأن جميع المعاصي جرأة على الله.

والذي يظهر لي أن القرافي لم يرد تعريف كفر الجحود، وإنما أراد تعريف مطلق الكفر الشامل له ولكفر النعمة كما سيأتي، وإنما ينظر في إطلاقه أن الجهل بصفات الله كفر من غير تقييد بقيام الحجة، فإن الحق أن العبد غير مطالب من أول وهلة أن يعرف جميع صفات الله حتى تقوم عليه حجتها، لما في هذه المطالبة قبل الحجة من العنت والمشقة اللذين رفعهما الله عن عباده، فضلا منه وإحسانا.

والحق أن كفر الشرك أعم من أن يكون بالقول وحده، فقد يكون به وبالفعل وبالاعتقاد.

فالقول إنكار ما علم من الدين بالضرورة مما نص عليه في الكتاب العزيز أو السنة المتواترة أو أجمعت عليه الأمة إجماعا قاطعا، فاشتهر عند الخواص والعوام.

والفعل: إتيان بعمل لا يجامع عقيدة التوحيد، كالسجود للصنم وتقديم القرابين إلى الشياطين والجن.

والاعتقاد: أن يعتقد بقلبه ما لا يتفق مع عقيدة الاسلام، كوجود شريك لله تعالى، فلذلك أرى أن يعرف هذا القسم من الكفر بأنه الاجتراء على الله بما يهدم عقيدة الاسلام من قول أو عمل أو اعتقاد، وهو يخرج بصاحبه من الملة فلا يناكح ولا يوارث ولا يدفن في مقابر المسلمين.

أما القسم الثاني - وهو كفر النعمة - فهو الاجتراء على الله بترك ما فرض، كالصلاة والصوم والزكاة، وارتكاب ما حرم، كالزنا والربا والسرقة وشرب الخمر من غير استحلال للفعل أو الترك، وهو لا يؤدي بصاحبه إلى الخروج من الملة، إذ تبقى له جميع أحكام الاسلام في الدنيا ما عدا الولاية، فتجوز مناكحته وتبقى موارثته ويدفن مع المسلمين، غير أنه يسلب الولاية - وهي المحبة في الله - وينقلب إلى ضدها وهو البراءة، وهذا القسم كالذي قبله ثابت بالكتاب والسنة، فمن الكتاب قوله تعالى:

ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين

[آل عمران: 97]، وقوله:

Page inconnue