واختلف المفسرون في المعنيين بالذين كفروا هنا، قيل: هم طائفة من اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، سبق في علم الله عدم إيمانهم. وهو الذي رواه ابن جرير عن ابن عباس - رضي الله عنه -.
وقيل: هم قادة الأحزاب الذين قتلوا في معركة بدر. روى ذلك ابن جرير عن الربيع بن أنس، وهو قول طائفة من المفسرين، واستدل من قال بذلك بأن الواقع قد كشف عن هؤلاء أنهم لا تجدي فيهم الموعظة شيئا، فقد استوى فيهم الانذار وعدمه، وذلك أن الدعوة كانت تواجههم منذ انبلاج فجرها بقوارع نذرها، وبوارق حججها، وصواعق وعيدها، فلم يعيروها إلا آذانا صما، حتى حق عليهم قول الله فهلكوا شر مهلك، وشفى الله صدور المؤمنين إذ نصرهم عليهم فكان مهلكهم على أيديهم، ورجح ابن جرير أنهم أحبار اليهود الذين أصروا على محاربة الدين الحنيف، ومقاومة دعوة محمد صلى الله عليه وسلم حسدا منهم، مع أنهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم لما سبق عندهم من علم الكتاب، واستدل لذلك بأن ما قبل الآية كان ثناء على مؤمني أهل الكتاب، فكان جديرا أن يقفي ذكرهم بذكر أضدادهم وكشف سوء حالهم وبيان شر منقلبهم، لأنهم جميعا ينحدرون من سلالة واحدة، وإنما فرق بينهم الايمان والكفر.
كما استدل له بما تتابع من بعد في السورة مع تقريع بني إسرائيل على كفرهم وتوبيخهم على ضلالهم، وكشف طوايا نفوسهم، وتعداد مثالبهم في تاريخهم الطويل مع النبوات والأنبياء.
وأنت تدري أن استدلال ابن جرير بما ذكرنا على أن المقصودين في الآية كفار بني إسرائيل فحسب غير واضح، فإن القرآن الكريم كان يواجه بصوادع دعوته جميع المشركين على اختلاف طوائفهم، وتباين مللهم، وكلمة { الذين كفروا } تعمهم جميعا، فلا معنى لقصر مفهومها على بعض أفراد مدلولاتها بدون حجة، على أن مثل ما في الآية من الاخبار بعدم إيمان الكفار جاء في قوله تعالى من سورة (يس):
وسوآء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون
[يس: 10]، وقد نزلت بمكة قبل نشوب المعركة بين المؤمنين وأهل الكتاب، ولا نسلم أن ما قبل الآية من الثناء والوعد خاص بمؤمني أهل الكتاب، فقد مر بك ما يكفيك حجة ودليلا أن الثناء والوعد في الآيات السابقة شاملان لكل المؤمنين من غير تمييز بين من كان قبل على ملة كتابية أو على طريقة جاهلية.
كما أن تعنيف أهل الكتاب في السورة وتعداد مثالبهم ليس دليلا على أنهم وحدهم المعنيون هنا، والذي يدل عليه اللفظ ويقتضيه السياق أن المعنيين كل من كفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأصر على كفره إلى أن مات، فهؤلاء لا تنجع فيهم الدعوة، ولا تتخلل نفوسهم الموعظة، فهم الحقيقون بهذا الوصف والجديرون بهذا الوعيد.
هذا، وتأول بعض المفسرين { الذين كفروا } بمعنى الذين قضي عليهم بالكفر والشقاء، وجعله نظيرا لقوله سبحانه:
إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون
[يونس: 96]، وهو تأويل غير مقبول لأن اللفظ لا يقتضيه، والقرائن لا تساعد عليه ومهما يكن المعنيون في الآية، فإن عدم اهتدائهم بالقرآن إنما هو لأمر يعود إلى نفوسهم لا إلى القرآن، ولا يخل ذلك بوصفه بالهداية، ولا يدل على نقص دلالته على الخير فهو كما أخبر الله عنه { ذكر للعالمين } ، { وهدى للناس } ، وما مثل الذين عميت بصائرهم عنه، ونبت عقولهم عن قبوله، إلا كمثل الخفافيش التي تأنس إلى الظلام وتستوحش من النور والضياء، ولا يقلل ذلك من قيمة الضوء، فحال هؤلاء لا ينافي ما وصف به القرآن.
Page inconnue