وهنا موضع آخر للعجب أو للملاحظة: لم نسب بها وهو لا يجهل أن النسيب يحول بينهما وبين الزواج، كما جرت سنة البادية التي لا تخفى عليه؟!
أغلبته النزعة الفنية حتى حجبت عنه الغاية من غرامه؟! أم هي نزوة أخرى من نزوات ضعف الرأي ومطاوعة الغواية العاجلة؟! أم كان حديث العشق والغزل غرضا مقصودا لذاته، لا يفكر معه في زواج ولا اتصال؟!
أيسر ما يقال في هذا المسلك: إنه مسلك لا حزم فيه؛ وإنه خليق أن يلقي بصاحبه في تلك المحنة التي ابتلي بها وساق نفسه إليها.
وقد حيل فعلا بين جميل وبثينة فلم يتزوجا، طلبها للزواج، وتزوج بها رجل آخر قيل في وصفه: إنه دميم أعور، وظهر من أخباره في قصة جميل أنه كانت له زوجة قبلها، وأن بثينة لم تعش معه طول حياتها، وذلك هو نبيه بن الأسود العذري الذي قال فيه جميل:
لقد أنكحوا جهلا نبيها ظعينة
لطيفة طي الكشح ذات شوى خدل
فهي زيجة لا تغتبط بها الفتاة، وليس من شأنها أن تقطع الصلة ما بين بثينة وجميل، بل لعلها أحرى أن توثقها وتمكن من عراها، ولا سيما إذا كان الزوج مشنوءا لفتوره وخوره وقلة حميته وعجزه عن إرهاب غريمه، كما كان مشنوءا لدمامته وتفاوت السن بينه وبين عرسه، وكذلك كان نبيه بن الأسود فيما وصفته لنا الروايات المختلفة، كلما ألم جميل بالحي وطرق بيوت بثينة وأهلها، فلم يجاوز غضب نبيه أن يشكوها إلى أبيها وأخيها.
وكأنما اتفقت الدواعي جميعا على إطالة العلاقة بين العاشقين فطالت، ولم يقطعاها معا حتى قطعها الموت، وتخللها ما لا بد أن يتخللها من قرب وبعد، ولقاء وجفاء، ووشاية وغيرة، وفرص موالية وأخطار معادية، مما نقله إلينا الرواة أو لم ينقلوه، ومما صدقوا أو لم يصدقوا فيه، ومما تناقضوا في نقله ولا حاجة بنا إلى اتفاقهم عليه.
فبعض هذا التناقض يثبت القصة في جملتها ولا ينفيها؛ لأنه يرينا أن القصة واقعة ينقلها أناس كثيرون ويسمعونها من شتى المصادر، وليست بالاختراع الموضوع الذي يلفقه قاص فيقدر على التوفيق بين أجزائه والمقابلة بين أطرافه.
وبعض هذا التناقض يرجع إلى تقديرات النقاد أو القراء فيما يحكمون به على الحب، وما يجوز فيه ولا يجوز، فيستبعدون الخير الذي هو بعيد عن الحب في تقديرهم، ويميلون إلى اتهام الرواة فيه بالوضع أو قلة التحقيق.
Page inconnue